728 x 90

إيران واستراتيجيّة البقاء طويل الأمد في سوريا

2953489326.jpg

 

 

منذ اندلاع الثورة السورية أواسط آذار/ مارس 2011، سارع نظام الملالي في إيران إلى مساندة نظام الأسد ودعمه، ليس لأنه حليفهم الأبرز في المنطقة فحسب، بل لأن حكّام طهران رأوا في الحدث السوري الكبير فرصةً للتمدّد بنفوذهم بحيث يتجاوز العراق إلى سوريا، ممّا يؤمّن لهم اتصالاً مباشراً مع وكيلهم في لبنان "حزب الله"، وتواجداً قريباً من الحدود الإسرائيلية، الأمر الذي يتيح لهم إمكانات أكبر في المساومة والمفاوضة على ملفّات المنطقة لضمان مصالحهم فيها. إن المكاسب الاقتصادية لم تغب عن أذهانهم لأنها لا تقلّ أهمّية، فالإمكانات التي تتوفّر عليها سوريا بأسواقها ومنتجاتها ومحاصيلها وثرواتها الطبيعية، ستوفّر فرصاً استثمارية هائلة من شأنها دعم الاقتصاد الإيراني المتهالك، الذي أرهقته العقوبات الدولية وفساد الحكومة ومغامراتها العسكرية في الخارج.

 

على هذا الأساس عملت إيران من البداية على ترسيخ أقدامها في سوريا والتهيئة لبقاء طويل الأمد، متّبعةً إستراتيجية متعدّدة المستويات: عسكرية بذراع نظامي وآخر ميليشياوي، واجتماعية بشقّين، أحدهما التبشير والتشييع، والآخر هو التغيير الديموغرافي، ثم المستوى الاقتصادي الذي ينطوي على عناصر قوة واستدامة لا يُستهان بها، نظراً للطابع "القانوني" الذي أضفِي عليه عبر القنوات الرسمية بين حكومتي النظامين الإيراني والسوري.

 

في المستوى العسكري، لم يقتصر تدخّلها على الزجّ ببعض تشكيلاتها المسلحة المرتبطة بـ "الحرس الثوري الإيراني"، مثل "فيلق القدس" وغيره من ألوية ومجموعات شبه نظامية تضمّ عسكريين وضباطاً إيرانيين، وإنما اعتمدت بصورة أكبر على عشرات الميليشيات التي قامت بتشكيلها من شيعة العراق وأفغانستان وباكستان، وتضمّ ما يزيد عن 50 ألف مقاتل، تتولّى إيران تدريبهم وتسليحهم ودفع رواتبهم، فضلاً عن الآلاف من مقاتلي "حزب الله" اللبناني. كما عملت على تجنيد آلاف السوريين من الشيعة وغيرهم في العديد من الميليشيات المحلية. ومعلومٌ أن "الجمهورية الإسلامية" صاحبة خبرة طويلة في مجال التدخّل الميليشياوي منذ تأسيسها، وكان ذلك ابتداءً ضمن إستراتيجية "تصدير الثورة" التي أعلنها الخميني، فخاضت تجربتها الأولى في لبنان مع تأسيس النويات الأولى لما سيصبح "حزب الله" مطلع ثمانينات القرن الماضي، وليس انتهاءً بالعراق مع بدايات هذا القرن، حين سارعت إلى تشكيل ميليشيات طائفية ساعدتها في قطف ثمار غزو الأمريكيين للعراق وإطاحتهم بنظام صدام حسين. وما تزال ميليشياتهم تفعل فعلها وتلعب أدواراً أمنيّة وسياسية في كل مكان أُنشئت فيه.

 

 

على المستوى الاجتماعي، استغلّت إيران تطوّرات الموقف في سوريا ما بعد 2011 لتعزيز ارتباط شيعة سوريا بها والهيمنة عليهم، فأصبحت تجمعات السكان الشيعة في محيط دمشق وفي أحيائها القديمة، وكذلك في أرياف إدلب وحلب مناطق تخضع بشكل كامل للنفوذ الإيراني، والتفاوض بشأنها يتمّ مع الجانب الإيراني مباشرة. أمّا ممارسة التبشير أو نشر المذهب الشيعي، فكانت موجودة منذ ما قبل الثورة بوتائر مختلفة في العديد من المناطق السورية، دون أن تلقى استجابة تُذكر، لكن الأمر راح يتطوّر بصورة ملحوظة في سياق الصراع الحالي، خصوصاً في البيئات الميليشياوية المحلية التي أسّسها الإيرانيون واعتمدت على سوريين من مختلف الطوائف. لكن الأخطر على الإطلاق في الجانب الاجتماعي هو سياسة التغيير الديموغرافي التي تنتهجها إيران على أساس طائفي، سواء بالتهجير القسري للسكان، أو بمبادلة المناطق وإحلال سكان شيعة محلّ آخرين سنّة، أو حتى عبر عمليات الشراء المنظمة واسعة النطاق، واستملاك الأراضي والعقارات خصوصاً في قلب العاصمة دمشق وفي محيطها، وهذا كله سيؤدّي إلى المزيد من التغلغل الإيراني في نسيج المجتمع السوري.

 

ومن الناحية الاقتصادية، فإنه برغم وجود اتفاقية تجارة تفضيلية موقعة بين سوريا وإيران منذ عام 2006، ثم تصديقها من قبل الجانبين ودخولها حيّز التنفيذ بعد نحو عامين من ذلك، ورغم إلغاء تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، إلا أنّ حجم التبادل التجاري بقي في حدوده الدنيا، ولم يكن للاتفافية نتائج اقتصادية ذات أهمّية تُذكر. لكن الحال تبدّل بشكل كبير بعد الثورة السورية وتصاعد التدخّل الإيراني، إذ لم يعوّل الإيرانيون على الاتفاقية السابقة أو يقوموا بتفعيلها، بل عمدوا إلى عقد اتفاقيات وتفاهمات اقتصادية وتجارية جديدة طويلة الأمد مع حكومة النظام السوري، سرعان ما نتج عنها ظهور العديد من الاستثمارات الإيرانية في مختلف المجالات، كالطاقة والاتصالات والثروات الباطنية والزراعة والتجارة والتطوير العقاري وسواها، فضلاً عن إقامة مشاريع مشتركة منها إنشاء مصرف سوري إيراني لتسهيل حركة الأموال وتغطية الاستثمارات، وكذلك تأسيس شركة إيرانية عراقية سورية للنقل والمواصلات، ومن المتوقّع أن هذه المعطيات ستحسّن من دور إيران وحصتها في السوق السورية مستقبلاً بصرف النظر عن استمرار وجودها العسكري من عدمه.

 

الآن، بعد سنوات من تدخّل إيران في سوريا، والذي مرّ بمراحل مختلفة من حيث طبيعته أو حجمه أو دوره على امتداد أعوام الثورة ثم الحرب السورية، أصبح الوجود الإيراني على الأراضي السورية واحداً من أكثر الملفّات إثارة للجدل، إذ لا يغيب عن اجتماعات كبار مسؤولي الدول المعنيّة بالشأن السوري، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. والحديث عن مصير ومستقبل هذا الوجود - كغيره من مفردات القضية السوريّة وتعقيداتها - لم يعد شأناً سوريّاً فقط، بل مادة للتجاذبات والصفقات بين الدول أيضاً، وفق ما يظهر من التصريحات الدبلوماسية حيناً، والعمليات العسكرية أحياناً. وقد بات من شبه المؤكّد أنّ وجود إيران ودورها في سوريا أمرٌ غير مرغوب فيه لدى مختلف الأطراف، ليس فقط مَن يعلنون صراحةً مواقف عدائية تجاه طهران كالولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الخليج، وإنما الدول التي يُفترض أنها في موقع الحليف لإيران ولنظام الأسد الذي تدعمه طهران بطبيعة الحال مثل روسيا، وكذلك من يتّخذ موقفاً براغماتياً متلوّناً حيالها كما تفعل تركيا أردوغان.

 

وبمثل ما كان هؤلاء جميعاً لأسباب ودوافع مختلفة لدى كل منهم، إمّا قابلين، ولو على مضض بالتدخّل الإيراني، أو سكتوا عنه، أو رفضوه لفظياً فقط بادئ الأمر دون أن يفعلوا شيئاً جدّياً حياله، تراهم اليوم ومرة أخرى لأسباب مختلفة يعملون بوسائل شتّى للتضيق عليه وإنهائه أو الحدّ منه على أقلّ تقدير. المشكلة أنّ ذلك كله لم يكن ببعيد عن حسابات الإيرانيين وخططهم، فَهُم تحسّباً لهذه اللحظة عملوا على فرض وقائع جديدة على الأرض، وخَلْق معطيات تدعم وجودهم وتثبّته، على نحو ما مرّ بيانه، وهو ما سيجعل من إنهائه مهمّة بالغة الصعوبة والتعقيد لا يمكن إنجازها بسهولة.

 

 



05 شباط 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة