728 x 90

إيران وأميركا، بين الأيديولوجيا والسلوك البراغماتي

2176272471.jpg

 

 

 

*طارق عزيزة

 

 

على مدى أكثر من ثلاثة عقود من عمر "الجمهورية الإسلامية"، اتّسمت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة بطابع إشكالي، حيث أنّ الموقف العدائي المعلن بينهما، وسياسة الضغط والعزل التي مارستها واشنطن تجاه طهران لأكثر من ثلاثة عقود مضت، لم تكن لتمنع حصول تنسيق هنا أو توافق مصالح هناك. وإنّ الخطّ البياني لمسيرة العلاقات بين البلدين، يُظهر تحرّكه، صعوداً وهبوطاً، بين العقوبات والدبلوماسية، ليُسفر المزج بينهما آخر الأمر عن التوصّل إلى اتّفاق بشأن ملف إيران النووي، بين طهران ومجموعة "خمسة زائد واحد"[1]، في 14 تموز/ يوليو 2015، والذي انعكس إيجاباً على علاقة طهران مع الغرب عموماً، وفتح المجال لبدء صفحة جديدة بينها وبين الولايات المتحدة.

 

تاريخياً، تكثر الوقائع والأحداث الدالة على مدى التعقيد الذي اكتنف العلاقة الإيرانية – الأمريكية، ولعلّ فضيحة "إيران – كونترا" من أبرزها. كان موضوع "الفضيحة"، والتي تُعرف أيضاً باسم "إيران غيت"، هو اتّفاق سرّي باعت بموجبه الولايات المتحدة أسلحة لإيران، بين عامي 1985-1986، وذلك عن طريق إسرائيل، خلال الحرب العراقية الإيرانية، على الرغم من دعم واشنطن وحلفائها للعراق في تلك الحرب. في المقابل تقوم طهران بالضغط على ميليشيات مرتبطة بها في لبنان لإطلاق رهائن أميركيين محتجزين لديها. استخدمت واشنطن أموال الصفقة لدعم مقاتلي "الكونترا" الذين كانوا يسعون للإطاحة بالحكومة اليسارية في نيكاراغوا. جرى كل ذلك خلافاً للموقف الأمريكي الرسمي الذي يصنّف إيران كبلد معادٍ ويفرض عليها عقوبات مختلفة، وكذلك لتشريعات الكونغرس التي تحظر تزويد "الكونترا" بالأسلحة، وتحظر بالطبع بيع السلاح لإيران. وظلّ شبحها ماثلاً لعقدين من الزمن، إذ كيف للإيرانيين التعامل مع "الشيطان الأكبر"، وكيف للأمريكيين التنسيق مع عدوّتهم "راعية الإرهاب".

 

 

يُذكر أن الموقف المعادي للولايات المتحدة الذي أعلنه الخميني، قد سبق قيام "الجمهورية الإسلامية" بسنوات، حيث يعود إلى عام 1963، حين شهدت إيران موجة احتجاجات شعبية، رفضاً لجملة إجراءات اقتصادية واجتماعية أعلنها الشاه محمد رضا بهلوي بعنوان "الثورة البيضاء" بدعم ومباركة من الولايات المتحدة. حينها، انتقد الخميني الشاه والولايات المتحدة ممّا أـدّى لاعتقاله وتأجيج الانتفاضة، قائلاً: "لم يعد بإمكانهم دعوتنا بالرجعيين. تتمثّل القضية في قتالنا أمريكا. سيدعمنا في ذلك جميع مقاتلي الحرية في العالم. يتعيّن علينا توظيف ذلك بوصفه سلاحاً لمهاجمة النظام، بحيث تدرك الأمة جمعاء أن الشاه عميل أمريكي، وأن تلك مؤامرة أمريكية"[2].

 

منذ ذلك الحين باتت مسألة العداء لأمريكا حاضرة بقوّة في خطاب الخميني، ودأب على مهاجمتها بحدّة، هي وحلفاؤها في المنطقة. لكنّ ذلك لم يمنع الخميني نفسه من تبادل الرسائل مع الأمريكيين حين كان في منفاه الباريسي. فقد كشفت بي بي سي وثائق توضح أنه ذهب بعيداً في مراسلاته، ليتأكّد من أن واشنطن لن تعرّض خططه في العودة إلى إيران للخطر.

 

وبحسب المراسلات (التي وصفها خليفته خامنئي بالمفبركة)، قال الخميني "إنه من الصواب أنكم طلبتم من الجيش ألا يتبع بختيار [رئيس وزراء الشاه]"، وقال أيضاً: "سوف ترون أننا لسنا في أي عداء خاص مع الأمريكان". وفي رسالة أخرى حاول أن يهدّئ من مخاوف أمريكا الاقتصادية حيال حدوث تغيير في إيران، بقوله: "لا يجب أن يكون هناك مخاوف حول النفط، ليس صحيحاً أننا لن نبيعه للولايات المتحدة".

وبالفعل عاد الخميني إلى إيران مطلع شباط 1979، بعد أسبوعين من مغادرة الشاه للبلاد، وكان أن استسلم الجيش الإيراني للأمر الواقع، على الرغم من هيمنة الأمريكيين عليه[3]. بعدها استأنف الخميني مجدّداً عداءه لأمريكا واصفاً إيّاها بـ"الشيطان الأكبر"، ومباركاً للطلبة الذين اقتحموا سفارتها واحتجزوا دبلوماسييها لمدة 444 يوماً، كانت كافية لرسم صورة "الجمهورية الإسلامية" في أذهان الجمهور الأمريكي.

 

كثيراً ما يعمد خصوم إيران إلى انتقادها والتشكيك بما تظهره من انفتاح نسبي أو حسن نوايا تجاه الغرب، نظراً للشعارات الأيديولوجية "الممانعة" والعدائية التي تعلنها لا سيما في وجه الولايات المتحدة الأمريكية. في حين ينتقدها آخرون ويشكّكون بمصداقيّتها تحديداً بسبب تلك البراغماتية، والتي تبدو في السنوات القليلة الماضية السمة الأبرز لسياستها الخارجية ومفاوضاتها النووية، في تعارض مع الكثير من شعاراتها الأيديولوجية.

 

غير أنّ هذا النوسان في السياسة الإيرانية ما بين الشعارات "الثورية" من جهة والبراغماتية من جهة أخرى، قد يتيح الفرصة للإصلاحيين وللمراهنين عليهم من الخارج للبناء على البراغماتية الإيرانية والاستثمار فيها، مما قد يُحدث خرقاً في جدار التشدّد الإيراني تجاه الأطراف الإقليمية والدولية، الذي ميّز تركة الخميني الثقيلة ورعاتها من "المحافظين" وعلى رأسهم خامنئي، وقوّتهم الضاربة ممثلةً بالحرس الثوري. فخرق كهذا سيقوّي من موقف التيار المعتدل أو الإصلاحي ونفوذه في دوائر اتّخاذ القرار، وتالياً سيعزّز دوره في إعادة ترتيب علاقات إيران الإقليمية والدولية، بناءً على توازن المصالح والتفاهمات، لا على الهيمنة والقسر وتسعير النزاعات.

 

 

إن الأيديولوجيا وحدها وشعارات العداء لن يمكنها الصمود أمام حقائق الوضع الداخلي والتململ الشعبي نتيجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردّية ومغامرات الملالي العدوانية في الخارج. فإحصائيات البنك المركزي الإيراني عن معدّلات الفقر والمواطنين الإيرانيين تحت خطّ الفقر، والتي توقّفت عند العام 2005 م، ذكرت أن معدّلات الفقر في إيران تصل إلى حوالي 32 % من عدد السكان في إيران في ذلك العام، في حين ترى منظمات المجتمع المدنيّ والمتخصّصون المستقلّون أن المعدل زاد بنسبة كبيرة خلال الولاية الثانية للرئيس السابق أحمدي نجاد، وبدايات ولاية روحاني، وأن معدل الفقر في إيران يزيد عن 60 %[4]، وهذا ممّا سيرتّب على قادة "الجمهورية الإسلامية" مزيداً من البراغماتية.

 

 

يدرك الأمريكيون حقيقة الوضع الاقتصادي المزري في إيران، وقد أحسنوا استغلاله عبر سياسة العصا والجزرة، والتي تتماشى مع تباين الآراء داخل الإدارة الأمريكية واختلاف مقارباتها حول السياسة الخارجية، فالعالم غير ملوّن بالنسبة للأمريكيين بلون واحد، وهم يميّزون البلدان الأكثر أهمية بالنسبة لهم، في سبيل السياسة التي يجب أن يتبعوها في المقام الأول، فضلاً عن أنّ "الجمود العقائدي" الإيراني وإمساك المحافظين المزمن بمفاصل القرار لم يترافق دوماً بجمود سياسي، فالمشهد السياسي متحرّك، ولا شكّ أن هناك متغيّرات تنتظر إيران عند غياب المرشد الحالي (77 عاماً)، الذي تتواتر الأنباء عن سوء حالته الصحية.

 

 

[1] تضم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا)، إضافة إلى ألمانيا.

[2] راي تقيية، إيران الخفية، ترجمة أيهم الصباغ، العبيكان للنشر، الرياض، الطبعة العربية الأولى، 2010. ص27



01 كانون ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة