728 x 90

إعدامات داعش بدير الزور.. محاكمةٌ غائبةٌ واستهدافٌ للنسيج الاجتماعيّ

2706746568.jpg

 

 

عادل العايد

 

منذ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على المناطق المحرّرة في دير الزور، لم تتوقف عمليات الإعدام التي نفذها بحقّ أبنائها، فمنهم من يُصَفَّون أو يموتون تحت وطأة التعذيب في سجونه. وتتمّ غالبية تلك الإعدامات بلا أيّ محاكمةٍ عادلةٍ أو علنية، وتحت ذرائع شتى أبرزها الردّة والتعامل مع الجيش الحرّ أو النظام.

 

قوائم بعشرات الضحايا

 

قام تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) خلال الفترة الماضية بنشر قائمةٍ بأسماء معتقلين سابقين تمّ إعدامهم خلال الشهور الماضية، وقد بلغ تعدادهم 72 معتقلاً. وبحسب القوائم فإن 44 معتقلاً أعدموا، وما زال 18 آخرون قيد التحقيق، وهناك 10 مجهولو المصير.

 

 

ومن المعتقلين الذين تمّت تصفيتهم (س)، 30 عاماً، من قرية حوايج ذياب بريف دير الزور الغربيّ، الذي اعتقل بعد يومٍ واحدٍ من قصف طائرةٍ حربيةٍ تابعةٍ للنظام لمنزل ذويه مما أدّى إلى استشهاد شقيقتيه.

 

يقول أبو محمد، وهو أحد أقرباء (س): "لم يعطوه الفرصة حتى لإتمام أيام عزاء شقيقتيه. والأكثر إيلاماً أنهم يتهمونه زوراً بإلقاء شرائح تستدلّ بها الطائرات. هل يعقل أن يقوم بإلقاء شرائح بالقرب من بيت أهله؟!".

 

وكان التنظيم قد أعلن عن قائمة المعتقلين الذين أعدمهم في مساجد بريف دير الزور الغربيّ، وترافق ذلك مع إجراءاتٍ أمنيةٍ غير مسبوقةٍ كالحواجز والتفتيش. ويرجّح أبناء المنطقة أن سبب ذلك خوف التنظيم من عمليات انتقامٍ تستهدف عناصره من قبل بعض ذوي الضحايا وأقربائهم.

 

ما خفي أعظم...

 

يقول الناشط الميدانيّ مجاهد الشاميّ، من حملة دير الزور تذبح بصمت: "تنقسم الإعدامات التي قام بها التنظيم بدير الزور إلى نوعين؛ فهناك الإعدامات العلنية، وقد قارب عدد ضحاياها 350 شخصاً، أما النوع الثاني من الإعدامات فهو السرّيّ، وينقسم بدوره إلى قسمين؛ إذ يقوم التنظيم بإعلام أهالي المعدومين بإعدام أبنائهم في الأوّل منهما، وقد قارب عدد هؤلاء 200 شخصٍ، أما القسم الثاني فهم الذين لم يفصح التنظيم عن مصيرهم، ويبلغ عددهم 450 شخصاً".

 

 

ويشير الشامي إلى أنه لا توجد أعدادٌ دقيقةٌ لضحايا الإعدامات السرّية بالكامل، بسبب تكتم التنظيم عليها.

وكانت حملة دير الزور تذبح بصمت قد سرّبت من أحد مكاتب التنظيم قائمةً بأسماء 450 شخصاً تمّ إعدامهم بشكلٍ سريّ. وبالاطلاع على هذه الوثيقة تبيّن أن معظمهم من أبناء عشيرة الشعيطات، التي تعرّضت لعملية إبادةٍ جماعيةٍ بعد أن تمرّد أبناؤها على التنظيم.

 

وعن لجوء التنظيم إلى الإعدام بشكلٍ سرّيٍّ يقول الشامي: "يقوم التنظيم بذلك لرغبته في عدم رؤية أهالي المعتقلين لإصابات أبنائهم الناتجة جرّاء التعذيب الذي مارسه عناصر التنظيم بحقهم، والذي وصل في بعض الأحيان إلى بترٍ لأطرافٍ، أو تكسير جمجمة الرأس، مما يمنع إعدامهم بشكلٍ علنيّ".

 

استهداف النسيج الاجتماعيّ

 

لم تُعرف حتى الآن هوية من ينفّذ عمليات الإعدام هذه، أهوَ من المهاجرين أم من المبايعين لـ(داعش) من أهالي المنطقة. وعما يشاع حول هذا يقول أبو محمد، وهو أحد أبناء دير الزور: "في العديد من الحالات يقوم بالإعدام سيّافٌ مقنّعٌ لا تعرف هويته. ولكن بعد أيامٍ تنتشر إشاعةٌ بين الأهالي بهوية هذا الشخص، وهو بالغالب مناصر محليّ. ولكن أيضاً يقول البعض إن التنظيم وراء هذه الإشاعة".

يرى أبو محمد أن الهدف من هذه الإشاعة خلق جوٍّ من الكره والبغضاء بين الأهالي في المنطقة، خصوصاً مع البيئة العشائرية المتلازمة مع مسألة الثأر في ريف دير الزور، إذ يكون منفذ العملية، في كثيرٍ من الأحيان، من أبناء قرية المعدوم نفسها.

 

وأحياناً يحضر الأنصار من أهالي المنطقة ويتابعون عملية الإعدام بنوعٍ من السخرية، الأمر الذي يرفع حدّة التوتر مع أهالي الضحايا. ولكن كل ذلك يبقى مكبوتاً بسبب القمع الشديد.

 

براءةٌ بعد الإعدام!!

 

لعلّ أبرز التهم الموجّهة إلى الشبان الذين يتمّ إعدامهم هي الانتساب إلى (الجيش الحرّ) أو "الردة"، وبعضهم اتُّهم بأنه متعاملٌ مع قوّات النظام السوريّ. ومع ذلك لم يقدّم التنظيم أيّ دليلٍ ملموسٍ على هذه التهم، إذ يجلب المعتقل من السجن، ويقوم بنشر بيانٍ أمام جمهرةٍ من الناس، ثم ينفذ حكم الإعدام، دون تقديم أيّ براهين منطقيةٍ تثبت التهمة على الضحية. وفي شهر أيار الماضي قام تنظيم (داعش) بعمليات إعدامٍ واسعةٍ بحقّ معتقلين سابقين من أبناء دير الزور، وصل عددها -خلال أربعة أيامٍ- إلى أكثر من 50 عملية، وزّعها التنظيم بشكلٍ واضحٍ على مناطق سيطرته ليظهر سطوته وقوّته، فجرت الإعدامات في الشميطية والمسرَب والخرَيطة وحوايج ذياب ومحيميدة بالريف الغربيّ، والكشكية والميادين والبوكمال في شرق دير الزور.

 

عن سبب حملة الإعدام التي شنها تنظيم (داعش) يقول أبو خالد، وهو قائد إحدى فصائل (الجيش الحرّ): الأرجح أن تكون عملية الإنزال الأمريكية في حقل العمر (شرق دير الزور) هي التي دفعت التنظيم إلى محاولة إعادة فرض هيبته وسيطرته على الأهالي من جديد، إذ إن كلّ الذين أعدموا كانوا من الجيش الحرّ أو معارضين للتنظيم أو يشكّ في ولائهم له.

 

وكان التنظيم قد أعدم شاباً في قريته أمام ذويه بتهمة استهداف دورياتٍ ومقرّاتٍ تابعةٍ للتنظيم في المنطقة، على الرغم من أن الشاب لم يعترف بقيامه بهذا العمل، وأصرّ على أنه بريءٌ مما نسب إليه حتى آخر لحظةٍ عاشها. وكانت حجّة التنظيم الوحيدة في اتهامهم له أنه كان من عناصر (الجيش الحرّ) سابقاً. ولكن، بعد أن تمّ الإعدام بفترةٍ أخبر عناصر التنظيم ذويه أنهم كانوا مخطئين بحقه، وقد ثبت لهم أنه بريء!!

 

 

أما في قرية محيميدة، بريف دير الزور الغربيّ أيضاً، فقد أعدم شابان من جملة الذين أعدموا في هذه الحملة، كانا متهمين بإحراق سيارةٍ تابعة للتنظيم ليلاً، فيما ينفي أهاليهما بشدّةٍ قيامهما بذلك. وقد أكد أب أحدهما لعناصر التنظيم أن ابنه كان موجوداً معه ساعة إحراق السيارة، ولكنه لم يجد آذاناً صاغيةً منهم بحسب شهود العيان.

 

يرى أبناء دير الزور، ممن التقينا بهم، أنه لن تكون هناك نهايةٌ لإعدامات (داعش) العلنية والسرّية إلا إذا نجح التنظيم في إنهاء أيّ وجودٍ معارضٍ له، وهذا محالٌ، خصوصاً مع حنق الأهالي الذي أثارته ممارساته الدموية بحقهم، أو بزوال سيطرته عن دير الزور.



05 تشرين ثاني 2015

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة