728 x 90

إعادة نظر في واقع وتموضع الثورة السوريّة

2946013023.jpg

 

 

تتّجه أنظار جميع السوريين نحو الشمال السوري على اعتبار أنه سيحسم الجدل حول هزيمة الثورة من عدمها، ويصل الحدّ لدى البعض بأن انتهاء هذا الملفّ سيعطي التصوّر الأقرب لمصير النظام السوري وشكل الحكم في المستقبل القريب للبلاد. يتناول هذا الطرح السوريّون من كل الأطراف المؤيّد والمعارض والذي يقف على الحياد من النظام السوري. وغالباً ما تعتبر وجهة النظر هذه صائبة وفق المنطق العسكري والسياسي ولهذا السبب تُكثّف وتضع الدول الداعمة للنظام جهداً كبيراً لتقديم الحسم العسكري في الميدان قبل الانتقال للحديث الجدّي عن مسار العملية السياسية.

 

ومن هذا المنطلق لا بدّ من إيلاء أهمّية بالغة للحفاظ على المكاسب الميدانية من أجل حرّية التحرّك بالنسبة لقوى الثورة والمعارضة لتمرير أفكارها وبناء منظومة عمل حقيقية لها على الأرض، وفي هذا الصدد يُنظر إلى الشمال السوري بوصفه آخر معقل عسكري خارج عن سيطرة النظام، وينشط ويعيش فيه الرافضون لحكمه على اختلاف انتماءاتهم الفكرية. والحفاظ على المكاسب الميدانية في الشمال السوري تمهّد الطريق في مرحلة لاحقة للنظر بشكل أكبر من أجل توسيع نطاق الحركة على المستويات الأخرى الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والمقصود هنا على وجه التحديد مناطق شرق الفرات الخاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية، وذلك بغضّ النظر عن الظروف الراهنة التي قد تعرقل التوصّل لنتائج مقبولة أو مرضية للجميع.

 

تذهب بعض وجهات النظر لدى السوريين للقول بأن سيطرة النظام السوري على كامل الجغرافيا السورية لا تعني هزيمة للثورة، لأن هذه الأخيرة لم تقم على حامل القوة العسكرية، وقد يكون هذا التصوّر صحيحاً في حال ثبت أن الحركة والنشاط والحيوية داخل المجتمع السوري، يُمكن أن تعود للتفاعل مع الثورة بالطرق السلمية بعد إحكام النظام لسيطرته، لكن تحقيق ذلك لا يُمكن التنبّؤ به بالدرجة الأولى لصعوبة القياس والاستناد إلى واقع المناطق التي سيطر عليها النظام السوري وفق برامج المصالحات والتي تعتمد على عزل الديناميات المحلية عن ذراع الثورة العسكري، ومن ثم استمالتها باتّجاه مظلّة النظام وإعادتها لحكمه، وبالتالي يُمكن القول إن لم تكن سيطرة النظام السوري التامة على كامل الجغرافيا هزيمة للثورة فهي حُكماً ليست أسوأ الخيارات أمامها في ظلّ تغيّر الظروف.

 

 

فرضت العسكرة نفسها على الثورة السورية سواءً بتغذية النظام السوري لها أو باعتبارها ردّ فعل لم يستطع أن يتحوّل لسلاح ردع حقيقي يُمثّل هوية الدفاع الأمني عن الحقوق والمطالب للمتظاهرين السلميين. وبكلا الحالتين أصبحت العسكرة واقعاً لا بدّ من التعامل معها وإن العودة للوراء لا تخرج عن كونها رغبة أو تصوّراً يحتاج لرؤية قابلة للقياس وإستراتيجية للبناء عليها. ودون ذلك لا بدّ من اتّخاذ النظرية الواقعية في السياسة، والتي تدفع باتّجاه الحفاظ على المكاسب من أجل تحقيق الأهداف.

 

تجادل الثورة السورية لتحقيق أهدافها على عدّة شروط منها القدرة على الحركة والنشاط داخل المجتمع والتأثير فيه وجعله يتطبّع بالقيم والمبادئ التي قامت لأجلها الثورة وبالتوازي إحداث تغيير في السلطة يحقّق الانتقال العادل المنشود، وفي ظلّ وجود النظام السوري قد يكون تحقيق التغيير في المجتمع عسيراً إلى حدّ الاستحالة لصعوبة الحركة، لكن بالمقابل إن الشروط المذكورة آنفاً يُمكن أن تتوفّر ولو نسبياً في الشمال السوري، والشيء الذي يعيق حركتها هو احتكار القوى العسكرية اللامركزية –التي تشكّل سلطة أمر واقع لم تتحوّل بعد إلى ذراع حماية وردع إستراتيجي– لقرار السلم والحرب، وعدم فاعلية النشاط المدني والسياسي لأسباب متعدّدة بما فيها العامل الذاتي. لكن عملية الاحتكار هذه ليست بالشكل الذي لا يمكن التعامل معه، والواقع أن القوى المدنية والسياسية تحتاج إلى إستراتيجية ورؤية واضحة تجعل من تحرّكها ونشاطها داخل المجتمع حيوياً ومؤثّراً، وتضع لنفسها ثقلاً إلزامياً أمام القوى العسكرية اللامركزية، وبالتالي مجادلتها على تحديد مصير قرار السلم والحرب وإعادة فرز أدوار القوى.

 

إن الحديث عن رؤية واضحة لقوى الثورة والمعارضة السورية المدني منها والسياسي في الداخل خصوصاً والخارج عموماً، يعني البحث عن تشكيل سلطة تشريعية حقيقية تتناسب مع الظروف وبلورة سلطة قضائية حقيقية وتفكيك الارتباط الذي حصل للأفراد والهيئات القضائية مع القوى العسكرية اللامركزية. كل ذلك يساهم في تجسيد هامش وطني سوري ينطلق من نظرية واقعية لا تنفي وجود خلافات أيديولوجية وسياسية ومحاولات تغلغل أمنية دولية في بنية الأجسام والهياكل المتبقّية لمن يعمل تحت مظلّة الثورة السورية.

 

كما أنه لا بدّ من إعادة توجيه النظر إلى المشكلة الحقيقية التي باتت تواجهها البلاد، والتي تتعدّى عملية التغيير المنشود في النظام السوري، حيث أصبح الصراع قائماً على تشريع الاحتلال الأجنبي، فكل قوة تعمل تحت مظلّة إحدى الدول، وتسير ضمن النطاق الوظيفي لإستراتيجياتها السياسية والأمنية والدفاعية، وصحيح أن النظرة الواقعية تفرض توجيه النظر إلى الاحتلال للدولة السورية الذي يشرّعه النظام، والمقصود هنا التواجد العسكري والاقتصادي والأمني لروسيا وإيران، لكن هذه النظرة ووضع إستراتيجية عمل ضمنها لا يجب أن تغضّ الطرف عن التواجد العسكري الدولي الآخر وحدوده ومشروعيته ووضع الاحتمالات القائمة للتعاون بما يخدم وظائف الاستمرار والبقاء وتحقيق التغيير الديمقراطي المنشود.

 

خلاصة القول، لا بدّ من البحث عن البقاء في المرحلة الأولى ووضع إستراتيجية عمل ذاتية لتحقيق ذلك، وعدم القطيعة مع القوى العسكرية اللامركزية، بل العمل على عدم تركها وحيدة تحدّد مصير السلم والحرب، ولا بدّ من دفعها لتكون سلاح الردع وجهة الدفاع عن المكاسب الميدانية، ومن ثم تحويلها إلى مؤسّسة دفاع حقيقية تمثّل بنية للتغيير القادمة في مؤسّسات الدولة المنشودة. وعملية وضع إستراتيجية أو رؤية قريبة ومتوسطة مبنيّة على جانب الأمن والحماية تلزم أيضاً وضع إستراتيجية واضحة للتعامل مع القوى الخارجية ومحاربة طموحات الاحتلال لديها.

 

إن الإستراتيجية أو الرؤية التي يجب العمل على بنائها، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار قضية بناء عقيدة وطنية واضحة بين السوريين الخارجين عن حكم النظام السوري، تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية الراهنة والمقبلة، ولا تنظر بعين التطرّف إلى الانتماءات الفكرية والأيديولوجية، عقيدة وطنية مبنية على أسس متينة، لا تقاطع الواقع أو تقفز فوقه، ولا تحاول التوجّه لفئة دون غيرها وفق اتّجاه عمودي في المجتمع.  

 



28 تشرين ثاني 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة