728 x 90

إعادة إعمار سوريا: الثوابت والتجاذبات

1682180038.jpg

 

 

تصريحاتٌ تبدو ساذجة وتحرّكاتٌ مريبة من قِبَل اللاعبين الأساسيّين في المعادلة السوريّة حول قضيّةٍ أقلّ ما يمكن أن يُقال عنها أنها تتّسم بالتعقيد، إنها قضيّة إعادة الإعمار. كيف لا، وهي على صلة مباشرة بوضع أسس عمليّة الانتقال إلى مرحلةٍ جديدةٍ في بلدٍ تمزّقت أوصاله اجتماعياً وإنسانياً بتضافر مجموعة من العوامل الداخلية وأخرى خارجية، ودمّرت بنيته التحتيّة لدرجة كدنا أن نواجه استحالة الحياة فيه. ولا شكّ أن هذا التقارب من قضيّةٍ بهذه الأهمّية ما هي إلا محاولة لإخفاء النوايا التي تكتمها الأطراف في سبيل تحقيق المكاسب ممّا تمّ التأسيس له على أنقاض الأشلاء، والعمل باستمرار لتأكيد تلك المكاسب التي تتوقّع تلك الأطراف باقتراب أجل تحقيقها مع حصول تغيّرات جوهريّة في توازن معادلات القوة على الأرض، وحصرها بأطراف محدّدة كادت أن تشكّل ثوابت في تلك المعادلات.

 

ثورة شعب، أم تدمير بلد وحماية مصالح؟

 

بدأت الأزمة السوريّة بصورةٍ بريئة في ظاهرها وسرعان ما تحوّلت إلى ظاهرة نهبويّة فظيعة، استحلّت كل أملاك وأرواح السوريّين، ممّا أدّى إلى انهيار المنظومة الاقتصادية السوريّة بأساليب مافيويّة تراوحت ما بين التدمير والتهجير والنهب والسرقة. وقد كانت حصيلة تلك العمليات أن تجاوزت تكلفة الحرب السوريّة 230% من حجم الناتج المحلّي الإجمالي حسب بعض الدراسات الصادرة عن البنك الدولي، وتراجعت معه مساهمة جميع القطاعات الاقتصادية في تكوين الناتج المحلّي الإجمالي بصورةٍ دراماتيكية منذ بداية الأزمة، ممّا ساهم في الإسراع بإنهاء الحالة الاقتصادية السائدة في مرحلة ما قبل الأزمة. فقد انخفضت مساهمة القطاع الزراعي بنسبة 6.3% في عام 2012 بينما تراجعت تلك المساهمة بنسبة 25% في عام 2015 مقارنة بالعام الذي سبقه.

 

أمّا قطاع الصناعة والتعدين فقد كان الأكثر تأثّراً بالكارثة السوريّة، وانهار بصورةٍ متسارعة في ظلّ سياسات التكبير من جهة والتعفيش من جهةٍ أخرى، وشهد أكبر موجة من الدمار خلال السنوات من 2012 لغاية 2015 لدرجة باتت مساهمته في تكوين الناتج المحلّي ثابتة عند حدود متدنّية جداً، وانخفض المعدّل التراكميّ لتلك المساهمة بنسبة لا تقلّ عن 70% خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 2012 و2017. وقد ترافق ذلك الانهيار في رؤوس الأموال المادّية باستنزاف كبير في رؤوس الأموال البشريّة، التي شهدت هجرة كبيرة في الكفاءات العلميّة العليا.

 

إذا تمّت المقارنة بين المعطيات الحاصلة في ظلّ الأزمة السوريّة بسنواتها الثمانية، والتحضيرات التي تقوم بها الأطراف الفاعلة في صراعها، تتوضّح النوايا الحقيقيّة للعناصر الفاعلة سواء في ظروف الحرب أو في ظروف السلم، والتي تؤكّد أنه ما أكثر تشابه اليوم بالأمس، حيث أن الغاية النهائية هي سلب الوطن من مالكيه في الحرب والإعمار.

 

 

 

ثوابت إعادة الإعمار

 

أيّاً كانت التقاربات والنوايا المبطّنة لدى الأطراف الفاعلة في الجغرافيا السياسية السوريّة في قضيّة إعادة الإعمار من أجل تحصيل النتائج المرجوة، فإن أيّة عملية لإعادة الإعمار لن تعبّر عن انتهاء الكارثة السورية، إلا إذا تمّ التوافق على العمل وفق منهجيّة تؤكّد على الثوابت التالية:

 

  1. التوافق على إعلان انتهاء الحرب وتوقيف آلة الدمار

 

ويعني ولادة الإرادة الدولية الساعية إلى تحقيق التوافقات المبدئيّة لتوقيف هدر دماء السوريين، ومعالجة الإرهاب العابر للحدود بالأساليب التي تؤدّي إلى استئصاله. إلا أن متابعة التطوّرات السياسية والعسكرية تضعنا أمام حقيقة غير مستساغة من قِبَل الغالبية الصامتة والمتضرّرة من السوريين، وهي أنه ما زالت وجهات النظر مختلفة بخصوص موضوع انتهاء الحرب بين الأطراف المؤثّرة في الصراع السوري، حيث أن الجانبين الروسي والإيراني يعملان على إنهاء الحرب بتطبيق سياسة يمكن تسميتها "الكلّ لنا"، بينما الطرف الأمريكي والغربي ما زال كاتماً على مشروعه الحقيقي في هذا البلد. لذلك لم تبدُ في الأفق أيّة بادرة واضحة لإنهاء هذه الحرب الكارثية التي حصدت أرواح ما يقارب نصف مليون شخص.

 

  2. التسوية السياسيّة بإعلان دستوريّ جديد

 

إن هول الكارثة السوريّة تغلق الأبواب أمام الحلول الأحاديّة التي تطرحها بعض الجهات، حيث أن تلك الحلول لا تعني سوى تعميق الأزمة السوريّة وإطالة أمدها، لذلك تفرض واقعية الحلّ في هذه الأزمة تحقيق التقارب بين أطراف الصراع وإعلان تسوية سياسية عبر إعلان دستور جديد يضمن حماية حقوق جميع المكوّنات السوريّة بطريقة توافقيّة، ولا شكّ أن ذلك سيحقّق بعضاً من التوافقات الدولية بخصوص مستقبل البلد المُنهَك.

 

  3. عودة المهجّرين

 

أدّت الحرب السوريّة إلى أن واحداً من كل أربعة مواطنين سوريّين أصبح مقدِّماً لطلب اللجوء في إحدى الدول، وهم بذلك يشكّلون تحدّياً كبيراً لإعادة إعمار البلد، إذ يرتبط بهؤلاء الكثير من الملفّات العقارية والبنى التحتيّة المدمّرة، وأي تجاوز لهم قد يؤدّي إلى فتح أبواب غير مرغوبة أمام الجهات التي تعتزم السير في عملية إعادة الإعمار، ولذلك لا يمكن إهمال تأثيرهم في هذه العملية. ولا بدّ من تفعيل عودة هؤلاء المهجّرين إلى ديارهم لتحقيق الانطلاقة الصحيحة، ويستوجب ذلك حماية حقوقهم المدنيّة والسياسيّة الكاملة. وتجدر الإشارة إلى أن أيّة عملية لإعادة الإعمار لما دمّرته آلة الحرب تفقد كل معانيها إذا لم تستهدف بوضوح مطلق تحقيق التنمية البشريّة، والاستقرار لسكّان البلد.

 

  4. التشارك في وضع قواعد إعادة الإعمار وتنفيذها  

 

تبدو محاولات الاستئثار بحصيلة إعادة الإعمار عملية مستحيلة في ظلّ حجم الدمار الهائل الذي تشير بعض التقديرات إلى تجاوزه لمبلغ 400 مليار دولار أمريكي موزّعاً على مختلف القطاعات الاقتصادية، ولا تتجاوز تلك المحاولات قيام بعض الشركات في الدول المشاركة للنظام في حسم الصراع لمصلحة الأخيرة بالسعي للحصول على عقود استثمار في بعض القطاعات الحيوية، كالقطاع النفطيّ، وفي المساحات الواقعة تحت سيطرة النظام. لذلك تطفو إلى السطح محاولات تلك الدول للبحث عن مصادر التمويل لإنجاح العملية، إلا أنها لن تتكلّل بالنجاح نظراً لحجمها الهائل مقارنة مع الإيرادات المتوقّعة منها إلى جانب غياب الوضوح في مسار العمليّة السياسيّة.

 

أمام هذا الواقع الذي لا تخفى صعوبته على الأطراف، يفرض تحقيق توافق دولي ينجم عنه حالة تشاركيّة أو تقسيم مناطق النفوذ بصورةٍ واضحة، وذلك على أسس توافقات سياسية تقبلها وتتبنّاها الأطراف الدولية. ويعتقد أن ذلك سيكون في إطار مسار جنيف نظراً لتوفّر عامل القوة في الطرف الذي تقوده الولايات المتّحدة الأمريكية.

 

تجاذبات الأطراف الفاعلة

 

على الرغم من محاولات بعض الأطراف لدعم التوجّه الذي يوحي بانتهاء الأزمة السوريّة، والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار، والتي تظهر بين حين وآخر، ما زالت النتيجة هي غياب الإعمار تحت تأثير مصالح الأطراف الداعية له. فالطرف الروسيّ الذي دخل الحرب السورية إلى جانب النظام في أيلول 2015 يهدف إلى استعادة النظام لكامل سلطاته على الجغرافيا السوريّة، والحظيّ بكامل ميزات عملية إعادة الإعمار بالتنسيق المباشر مع النظام، وعقد اتّفاقيات مختلفة معه مثل اتّفاقية التنقيب عن النفط في ريف اللاذقية 2013، وبروتوكول العمل والتعاون لزيادة التبادل التجاري وإزالة الحواجز وتسهيلات جمركية في 2014، وحصوله على امتيازات من الحكومة السورية 2018. وتقوم إيران، التي تواجه تحدّيات جدّية متمثّلة في أزمتها الاقتصادية الداخلية والعقوبات الأمريكية المفروضة عليها إلى جانب تهديدات الأخيرة لها للخروج من سوريا، بالعمل على تنفيذ بعض مشاريع البنية التحتيّة، ولا سيّما في مجال توليد الطاقة الكهربائية، وكذلك بتنفيذ مشاريع في قطاع الإسكان.

 

ولا تخفى حقيقة النزعة الطائفية في التوجّهات الإيرانية، والتي تبرز في صورة استملاكها لمناطق في ريفي دمشق ودير الزور، والعمل على تطوير ظاهرة التشيّع لتحقيق عمق إستراتيجيّ لسياساتها بالتوجّه نحو الشواطئ الشرقية للمتوسّط، والاقتراب من الحدود الإسرائيلية التي تشكّل ورقة قوية تعمل الدبلوماسية الإيرانية على امتلاكها باستمرار. 

 

بهذا الشكل يبدو واضحاً أن كلّاً من روسيا وإيران تعملان جاهدتين لتأمين الدعم لتوجّهاتهما في إعادة الإعمار في ظلّ النظام القانوني، والامتيازات الممنوحة من النظام السوري بشكله الحالي.

 

لن يتمكّن الطرفان الروسيّ والإيرانيّ من تحقيق مآلاتهما على الأرض السوريّة من خلال هذا التوجّه، لأنه يهمل التأثير الفعّال للأطراف الدولية الأخرى في المعادلة السوريّة، ولا بدّ لهما من الاصطدام مع مشروع التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، الأكثر قوةً، والذي يتوافق بصورة ضمنيّة مع توجّهات منظمة الأمم المتحدة، حيث أن الطرفين يرفضان عملية إعادة الإعمار في ظلّ المعطيات السوريّة الراهنة، ولا سيّما في ظلّ النظام السياسيّ القائم في البلد.

 

بين هذا وذاك، تبدو عملية إعادة الإعمار والترويج لها مجرّد تعبير عن رغبات بعض الأطراف في المعادلة السورية المعقّدة، ولا تمتلك من مقوّمات نجاحها سوى فقدانها لتلك المقوّمات،  ولن يكون هناك إعمار في هذا البلد الذي أنهكته آلة الحرب على مدى ما يقارب عقد من الزمن إلا بتحييد دور بعض القوى الإقليمية التي مازالت تملك تأثيراتها على الأرض، وتفرّغ القوى الدولية لوضع الترتيبات النهائية للخريطة السياسية السوريّة، والتي قد تكون لها انعكاسات مباشرة على الجوار.

 

 

 



13 شباط 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة