728 x 90

أغاني المظاهرات في سوريا وعي بالحياة أم جزء من مشكلة الثورة؟

1651238832.jpg

   

 

 

*سامر قطريب

 

بين برقاوي وكيلة

 

يتقطّع بثّ الراديو الصغير قبل نهاية  نشرة الأخبار من إذاعة "البي بي سي"، دون أن يتضّح  مكان سقوط القتلى والجرحى، لكنّ الترجيحات تعطي الأفضلية لمدينتي "حمص وبانياس" المنتفضتين ضدّ النظام السوري، لتبدأ بعدها فترة أغاني "الشيخ  إمام والسيد درويش" على جهاز"الموبايل"، والتي أعطت البيت البسيط في حيّ المزّة 86 بدمشق أجواء ثورية عتيقة، وتركت أسئلة في رأسي شابّين من خرّيجي  جامعة دمشق؛ عاطلَين عن العمل وينتظران تغييراً تحدثه المظاهرات الشعبية التي بدأت منتصف شهر آذار عام 2011.

 

راديو صغير وسجّادة قديمة هي كل ما ستلحظه في ذلك البيت، ضمن حيّ يرافقك الفقر فيه حتى نهايته على مشارف حيّ "المزّة". أيّد الشابان مظاهرات العاصمة دمشق المطالبة بالحرية مع انطلاقتها؛ في مرحلة عكست ببدايتها الحال الاقتصادي المعيشيّ الذي عانته فئة بدأت الحراك الثوريّ في مدن سوريّة عدّة.

 

الخبز والحرّية

 

عبرّت أغاني الشيخ إمام والسيّد دوريش (شيّد قصورك، أهو دى إللي صار...)، عن تطلّعات هذه الفئة ومطالبها ككتلة اقتصادية وسياسية، لم تعرفها أغاني المظاهرات الشعبية مع اتّساع رقعتها، ولم يكن لرغيف الخبز رمز المظلومين والمقهورين سوى زاوية على هامش تلك الأغاني، وظهرت الإشارة إلى أن الشارع المنتفض ليس في عوز مادي اقتصادي في أكثر من حادثة، كان أكثرها وضوحاً ردّ المتظاهرين"يا بثينة وياشعبان الشعب السوري مو جوعان"، على قرار النظام السوري زيادة  أجور العاملين في الدولة، والذي جاء على لسان المستشارة الإعلامية للقصر الجمهوري بثينة شعبان، دون تبسيط الردّ الذي جاء بعد وقوع قتلى وجرحى بين المتظاهرين برصاص الأمن السوري .

 

تحدّثت أغاني المظاهرات في المقام الأول عن التضامن بين المدن الثائرة، ووحدة الشعب الذي لم تُفكّك روابطه (التي أصبحت مثار جدل) في تلك الفترة ضربات النظام وسياساته الأمنية، كما تحدّثت عن إسقاط النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، و شكّلت محاولات لمواجهة خطابه الذي اتّهمها بالطائفية والسلفية الدينية، فيما وصفها بعض الصحفيين والناشطين المدنيين  بثورة الأغاني!.

 

ربما كانت  إحدى نتائج خطاب النظام السياسي الاجتماعي لمحاصرة الثورة، حصر الأغنية وشعاراتها بالردّ المباشر عليه وعلى شخوصه الرسمية، وبالتالي لم تحمل الأغنية الثوريّة هموم الشارع و أوجاع طبقة اجتماعية واسعة من المهمّشين والمظلومين اجتماعياً، إضافة للسياسة الأمنية التي سيّر بها النظام الحركة الثقافية والسياسية في سورية.

 

 

كل ذلك لم يلغِ تحليل بنية الحراك الثوري من قبل بعض الباحثين والمفكّرين اليساريين و إرجاعها  للعامل الاقتصادي وسياسة التفقير التي انتهجها النظام، تحوّل مقلوب يبدأ بالسياسي ويستمرّ في الاقتصادي، لإسقاط بنية معقّدة قام النظام على أساسها .

 

يرى الباحث والمفكر اليساري سلامة كيلة في حديث خاص لمجلة "صُوَر"، أن من صاغ أغاني المظاهرات والشعارات هم من الفئة المتوسّطة، متأثّرة بالجوّ الذي ساد بعد ربيع دمشق سنة 2000، و بالتواصل "العالمي" عبرشبكة الإنترنت والفضائيات، وباتت هذه الفئة معنيّة بأن يكون لها رأي ودور في الشأن العام، لهذا تأثّرت مباشرة بخطاب المعارضة الذي ركّز على الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية وتحقيق الحرّية. ويضيف"كيلة" إن هؤلاء هم من كان المتصدّر للحراك منذ اللحظة الأولى، قبل انخراط الفئات الشعبية المفقرة، لكنها رغم ذلك لم تستطع صياغة مطالبها في شعار أو أغنية، لأنها غير قادرة على ذلك.

 

 

تحكّمت الفئات الوسطى كما يقول"كيلة"؛ بتحديد المطالب التي انحصرت في الحرّية والكرامة. وهي التي أثّرت بمن كان قادراً على الغناء، وبالتالي ركّزوا على نقد الاستبداد والحديث عن الحرّية. وكان ذلك جزءاً من "مشكلة الثورة" منذ البدء، رغم أن الكتلة الأساسية التي انخرطت في الثورة هم المفقرون، والذين عبّروا عن مطالبهم فقط حين سُئلوا من قبل لجان السلطة، ويتابع قائلاً:"هنا كانت القدرة على صياغة الشعارات، والوصول الى الإعلام أساسية في فرض شعارات معيّنة على الثورة، بينما فشل المفقرون وفشل اليسار في صياغة شعارات تعبّر عن مطالبهم، من خلال كتابة أغانٍ تخصّ هذه المطالب وتفضح الوضع المعيشيّ السيئ الذي كانوا يعيشونه".

 

أغاني الثورة و"كاريزما" المعارضة المفقودة

 

لم تكن الثورة حركة عفوية بناء على التحليل السابق وعلى معطيات بنية المجتمع  السوري، فهي إمّا أن تتحرّك بدفع من الحركة العقلية " الفكرية" أو بدفع من الطبقات الاجتماعية المحرومة، ومن المفترض أن تنتج الحركتان شخصيات قيادية، تبني على ما تقدّم من عوامل للثورة، على مستوى المطالب وتأطيرها بعيداً عن المصطلحات العامة التي انحصرت في الاستبداد والحرّية، وعلى مستوى أغنية الثورة التي أصبح بعض من ألحانها وإيقاعاتها، جزءاً من أغاني مؤيّدي النظام.

 

ظهرت في مدن سوريّة شخصيات شعبية عدّة، لاقت قبولاً من المفقّرين والمشاركين في المظاهرات. حملت هذه الشخصيات التي تمتّعت بكاريزما، لم تكن موجودة عند المعارضة السياسية على اختلافها، مثال ذلك "عبد الباسط الساروت" الذي كان حارساً لمرمى فريق "الكرامة" الرياضي، وتحوّل ومازال إلى رمز من رموز الثورة تحت لقب"حارس الثورة"، رغم انجراره في مرحلة لاحقة إلى العسكرة وحمل السلاح، دون نسيان"قاشوش حماة" الذي نسج الشارع حول موته روايات عدّة.

 

روح الشعب السوريّ تغنّي

 

تأخذ الفلسفة في رؤيتها "للضرورة" المنتجة لأغاني المظاهرات منحىً مختلفاً عن التوصيف الاقتصادي الاجتماعي لبنية المجتمع السوري، وهنا يتحدّث الفيلسوف أحمد برقاوي عن روح الشعب السوري؛ باعتبارها شكلاً من أشكال وعيه بالحياة، وجملة القيم التي تحرّك سلوكه.

 

يقول برقاوي: إن روح السوريّ  تبرز في طقوس تمرّده الشعبي ، طقوس يختلط فيها الأمل بالفرح و بالألم و الكبرياء . و الدارس لهذه الطقوس يكتشف حقيقة وعي السوري بالحياة، في الوقت الذي أوقف الحاكم وحلفاؤه قصف المدن والقرى ، وبشكل غير كامل ، استعاد روحه التي انتفضت في عام 2011.

 

ويضيف البرقاوي أن السوريين يخرجون إلى الساحة أو الشارع للتمرّد كأي شعب آخر ، لكنهم سرعان ما يرسمون صورة جديدة للروح المتمرّد، و يصوغون أولاً الأغنية ، سواء كان لها مؤلف أو لم يكن، تنطوي على كل عناصرها الجمالية، الكلمة ، اللحن ، الصوت .

 

 

الكلمات ذات البعد السياسي تلبس لبوساً بسيطاً من اللغة الحميمة . ويخترع اللازمة " سوريا بدها حرية " . لم يكن القاشوش حالة فريدة يقول برقاوي ، بل لكل قرية ومدينة قاشوشها، لم ينتظر الشعب شاعراً كي يصوغ له القصيدة ، بل صاغ هو الكلمات بكل عفوية وصدق ودون تكلّف .

 

ويتابع في شرح العلاقة بين الأغنية والواقع الاجتماعي قائلاً:"  السوري حين يحصد يغنّي ، وحين يحرث و يعمل يغنّي، و يغنّي أثناء تشييع شهدائه، ويستعير"سكابا" من التراث الشعبي، هذا المقام الحزين ويغنّيه بالكلام الجديد " سكابا يا دموع العين سكابا عل شهدا سوريا وشبابا " ، لم يشر إليه أحد أن يستعير مقام " الصبا " أكثر مقامات الموسيقى العربية حزناً  بل عاد إلى وجدانه.

 

يعبر السوري في طقوسه هذه  كما يرى برقاوي عن فلسفته في الحياة ، والتي تقوم على حبّ الحياة ، وقدرته على الاحتفال بها دائماً ، و "تظهر الحرّية التي خبّأها في داخله والتي ظنّ الجلاد أنها غادرته ، منتقماً بحسّه الجمالي وسموّه الأخلاقي من الأصفاد التي كبّلت أياديه زمناً طويلاً، لينتقم من المسيرة والهمروجة واللافتة الميتة".

 

 

مع تطوّر الصراع السوري و أدواته، وظهور الحركات الإسلاموية الساعية إلى السلطة، أطرّت هذه الحركات ذات النفوذ العسكري أهدافها، في شعارات و أغان حملت مشروعها الإسلامي معبّرة عن توجهاتها الأيديولوحية، ومع انهيار الوضع الاقتصادي في سوريا ونجاح سياسة الحصار والتجويع، وتوق روح الشعب إلى الحياة، يغدو الجوع حاملاً منتظراً للثورة على أطراف الصراع، لو كان ذلك في أغنية.

.

.

المزيد للكاتب ..

 

 

 

 

 



10 كانون ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة