728 x 90

أسمح لنفسي بالثورة

2644642911.jpg

 

 (عن التمرّد في عوالم جان جنيه)

 

 

*حربي محسن عبدالله

 

 

إنها رحلة مع عالم جان جنيه الذي سمح لنفسه بالثورة، فحمل نزق الثوار ومشاغباتهم واعتراضاتهم. ووقف إلى جانب الحق الفلسطيني وناصر قضايا الزنوج واقترب من عالمهم وكانت تربطه علاقات صداقة مع منظمة الفهود السود. وخرج على التقاليد الأوروبية والمفاهيم الجامدة وتنقل بين الخروج على القانون وحفلات البذخ النادرة التي كان يسمح بها لنفسه (حين كان يحلّ في فنادق من الدرجة الأولى). وفيما عدا ذلك، فإن حجرة الشاعر كانت صغيرة جداً وبلا أمتعة. لا تضم سوى سرير وكرسيين، وطاولة للكتابة، ومنفضة دائمة الامتلاء بأعقاب سكائر هولندية، وحقيبة صغيرة وصولجان أصبح جنيه يسير متكئاً عليه بشيء من الغنج ويتفادى المرور بالأحياء التي يعرفها به الآخرون.

 

جنيه الطفل الذي تخلت عنه أمه الفقيرة وغير المتزوجة وهجرته وهو في الأسبوع الثلاثين، والذي تبنته عائلة في مقاطعة "مورفان". والصبي اللص السجين في اصلاحية "ميتري" بين الخامسة عشرة  والسابعة عشرة والنصف، والمتشرد والفار من الجيش، الذي أصبح كاتبا مشهورا ولم يتوقف عن السرقة.

 

هذه الرحلة يأخذنا إليها الكتاب الصادر عن دار كنعان في دمشق بعنوان ( رحلة في عوالم جان جنيه) " أسمح لنفسي بالثورة". ترجمة علي شاكر العبادي عن الألمانية. والكتاب عبارة عن نص مسرحي "تحت المراقبة" وقراءة في بعض نصوص جنيه المسرحية لفيرنر كليس بالاضافة إلى حوار مع جنيه أجراه؛ هوبرت فخته وفي الختام ثمة شهادة من صاحب رواية " الخبز الحافي " الكاتب المغربي محمد شكري. يقول المترجم في مقدمته "إن الكتاب ليس دفاعاً عن جان جنيه، وإن كان دفاعاً فليس بالشيء المشين أن يدافع المرء عن كاتب إشكالي موهوب بحجم جنيه، ولكنه استعراض بسيط لما جاء به جنيه وقراءة سريعة لأفكاره، وفيما كتب بعض النقاد عنه – القسم الثاني من الكتاب- وما طرح هو من أفكار في رؤيته للمسرح – القسم الأول – وأيضاً كيفية جدله في رفض الأفكار وتقبَلها كما في محاوراته مع هوبرت فخته – القسم الثالث-".

 

 يقول المترجم في مقدمته " جان جنيه صرّة مشدودة لبعضها البعض إما أن تقبلها أو ترفضها بالكامل، فلا يمكن أن نجزأها أجزاءاً نأخذ منها ما نريد ونترك ما لا نريد. لا، فالمسألة لا تحتمل الاختيار. وما يتعلق بنا نحن العرب، أن جان جنيه قد فهمنا وأحبنا، وقف معنا في أحلك الظروف، ناصر قضايانا، يوم تخلى عنا الكثيرون". فقد كتب جان جنيه " أربع ساعات في شاتيلا " وهي عبارة عن معايشته مخيمات صبرا وشاتيلا بعد المجزرة التي حدثت هناك اثناء الاجتياح الاسرائيلي لبيروت في ثمانينات القرن الماضي. وكتب " الأسير العاشق " وهي عبارة عن رواية مذكرات عن تجربته في أحداث أيلول في المخيمات الفلسطينية في الأردن في عام 1970 .

 

يقول جان جنيه في حواره مع فخته، إنه وبالصدفة أصبح كاتباً من خلال كتابة إحدى بطاقات أعياد الميلاد لصديقته الألمانية، لكن المترجم لا يرى أن الأمر على هذه الصورة ويؤكد " ليس من الممكن أن يكون المرء كاتباً بالصدفة وإنما يحتاج إلى تراكم وجدل في الذات والحس والعقل حتى يكون أديباً، ونتيجة لذلك التراكم والجدل يُنتج لنا العمل – النص، فعملية صقل الكاتب للوصول إلى النجاح لابد ان تمرّ بمخاضات عدة تأتي متتالية يصوغ جرّائها الكاتب وعيه، ولقد استغل جنيه ذلك التراكم والخبرة الحياتية غير العادية التي عاشها والجدل في زمن كانت تتوالد فيه الأفكار والفلسفات مدراراً، وقد خدمه الحظ أنه ولد في ذلك الزمن بينما خانه في مواقف كثيرة من الحياة، ولعل أكثر ما خدم جان جنيه وصفّاه وصقله هي مرآته في "لا"ءته وكان قد نما وترعرع في داخله من خلال ذلك شيطان لم يكن يريده أو يحبه، وقد كبر ذلك الشيطان من خلال تغذية الآخر له، لقد انتمى جان جنيه إلى"لا"ءته حتى إننا نستطيع القول بأن جنيه هو عبارة عن رد فعل رافض لكل من ساهم في جعل ذلك الشيطان يكبر في داخله".

 

هنا نجد المترجم علي شاكر العبادي وقد تحول إلى قاريء بعين نقدية لما يترجم، فحياة جنيه القاسية المتقلبة وعلى الأخص في فترة الصبا والشباب جعلت منه متمردا رافضا يلبس زي الثوار ويُعجب بما يقومون به، ويأخذ مفهموم الثورة عنده بُعداً وجوديا يؤكد به ذاته عبر لاءاته. فمفهوم الثورة عنده يقترب من مفهوم الرفض، فنستطيع تسمية ثورته بأنها رغبة في التغيير ورغبة عنيفة في الرفض، وهو مفهوم يختلف عن مفهوم الثورة المتعارف عليها، فثورته هي الجانب الرومانسي في الثورة، لكن الثورة كفعل كامل يحتوي على جوانب أخرى غير الرومانسية، تلك الجوانب التي لا تستطيع ثورة ما الاستغناء عنها لأنها نتائج حتمية للفعل وهي ما رفضها جنيه.

 

أتذكر هنا حواراً في سيناريو بين شخصين عن الحب والكراهية ينتهي بقول أحدهم " هناك ذئبان يتصارعان في قلب الانسان ذئب الحب وذئب الكراهية، فيسأله الآخر أيهما سينتصر فيجيبه: منْ تطعمه أكثر هو من ينتصر في النهاية". وهكذا انتصر لدى جنيه الجانب الرومانسي للثورة... يقدم لنا فيرنر كليس قراءة في بعض أعمال جان جنيه المسرحية. وفيرنر هو كاتب وناقد ألماني ومالك لشركة انتاج تلفزيوني- سينمائي، ولد عام 1939 في شتوسناو وهي مدينة كانت تابعة لألمانيا وهي الآن تابعة لبولندا ومازال يعيش في برلين. يشير فيرنر في قرائته إلى كيفية تعامل جنيه مع الحقائق الملموسة وذلك باستخدام شواهده الشخصية. كما في كتاب "يوميات لص". يتناول فيرنر في قرائته الأعمال التالية: " النص والزمن، تحت المراقبة، الخادمات، الشرفة، الزنوج، جدران في كل مكان". ثم نصل بعد ذلك إلى حوار هربرت فخته مع جان جنيه، الذي جاء تحت عنوان "أسمح لنفسي بالثورة" وهو مايستغرق الجزء الأخير من الكتاب باستثتاء الخاتمة التي خصصت لمحمد شكري وزيارته لجنيه برفقة الطاهر بن جلّون.

 

 فخته هو كاتب ألماني مشهور 1935- 1986 يعتبر من أهم كتاب ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، له عدة مؤلفات من روايات ودراسات أدبية. وتمنح مدينة هامبورغ منذ عام 1995 جائزة سنوية باسمه هي: جائزة هوبرت فخته للإنجاز الأدبي. يدور الحوار بين فخته وجنيه في غرفة حجزها فخته في فندق اسكندنافية في باريس، في نهاية عام 1976. استلم جنيه مسودة اللقاء الفرنسية عن طريق البريد وقام بتصحيحات قليلة على تلك المسودّة والتي اختصرت ونشرت بعدها تحت العنوان سالف الذكر في الجريدة الأسبوعية " دي تسايت ". يدور الحوار على عدة محاور من المضاهرة التي جرت ضد حكومة جيسكار ديستان، إلى علاقة جنيه بالأحزاب المشاركة فيها، والتي يؤكد جنيه إنه لا ينتمي لأي من تلك الأحزاب أو النقابات. ثمّ ينتقل المحاور إلى حياة جنيه الخالية من الترف عندما يؤكد في جوابه على سؤال طرحه عليه فخته وهو: هل تخشون أن العيش في مستوى معين من الترف مرتبط بنحو ما بنجاحكم العملي؟ كان الجواب هو: لا لا أظن ذلك، فلم يكن عندي بأي شكل من الأشكال إعجاب أو طمع بترف ما، فعندما سأحتاج على الأقل لقصر من قصور قصر النهضة، ودخلي لا يسمح لي بامتلاك حديقة من حدائق " "آل بورجيا" ( عائلة اسبانية ثرية وذات نفوذ واسع من القرن الرابع عشر، امتد نفوذها آنذاك إلى دول جنوب أوروبا)، وفي وضعي المخاطرة ليست كبيرة. ثم يؤكد جنيه على إن حدائق آل بورجيا هي آخر معالم ترف عصر النهضة. فبعد عصر النهضة لا يرى شيئاً يستحق النظر. ثم يأخذنا الحوار بين الأثنين إلى مواضيع متعددة تبين مواقف جنيه منها على مدى يزيد على ستين صفحة. ثمّ نصل للخاتمة مع محمد شكري، بقول فيها (زرت باريس كي أقدم " الخبز الحافي" في برنامج "ابوستروفه" كان جان يسكن في شقة صغيرة من غرفة واحدة في بيكاله، وهو المعروف عنه أنه يسكن في الفنادق كبيرة أو صغيرة. عندما ذهبت لزيارته، أنا والطاهر بن جلّون استقبلنا حافي القدمين وبعد أن استقبلنا بحرارة قلبية قال لي "لقد كتبتم كتاباً جميلا جداً " كان هناك فراشاً لشخص واحد فقط، وعلى الأرض تناثرت رفوف من الكتب، هاتف،  في زاوية من الغرفة هناك منضدة صغيرة، أما بجانب الفراش فوجدت منفضة سكائر، ولم يكن هناك مكاناً أو مقعداً للجلوس، تنبعث رائحة بول آتبة من جهة الحمّام، ولأن جان كان يعاني حينها من وعكة برد، كانت النافذة مغلقة. ألقى جان بجسده على الفراش وتقاسمنا أنا وطاهر السجادة الصغيرة) ثم يذكر محمد شكري قضية موت جان جنيه ودفنه في "لاراخا" في  المغرب.

 

توفي جان جنيه في باريس في 15/4/1986 ودفن في المغرب بعد حياة صاخبة متمرداً على الجمود والمفاهيم التقليدية التي تحنّط الحياة وتغلق أبواب الأمل بالتغيير.   

  

 

.

 

.

 

اقرأ المزيد للكاتب ..

 

 



22 كانون ثاني 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة