728 x 90

أجهزة الأمن السورية:الحاكم المطلق لسوريا(2) تأثير النصوص الدستورية على الواقع التشريعي لعمل الأجهزة الأمنية

3298803458.jpg

 

 

تأثير النصوص الدستورية على الواقع التشريعي لعمل الأجهزة الأمنية

 

 

لقد كان لمضمون النصوص الدستورية المذكورة في الجزء الاول من هذه الدراسة  دوراً أساسياً في تكريس تسلّط الأجهزة الأمنية سواء أكان قبل عام 2011 حيث كانت الأجهزة الأمنية الحاكم الفعلي والمطلق لسوريا، مستندةً بشكلٍ أساسيٍ إلى تشريعات الطوارئ، ووجود القضاء الاستثنائي (أولاً)، أو بعد هذا التاريخ أي اعتباراً من انتفاضة الشعب السوري ضدّ الاستبداد، حيث بدأت مرحلة جديدة مرتبطة بما يُسمى "مكافحة الإرهاب" والتي ضمنت استمرارية الأرضية التشريعية لهيمنة القوى الأمنية، وتصاعد دور الجيش في قمع كافة أشكال المعارضة (ثانياً).

 

أجهزة الأمن السورية : الحاكم المطلق لسوريا

 

تتعدد الأجهزة الأمنية وتتفرع، وتختلف تبعيتها لكل من الجيش والقوات المسلحة (المخابرات الجوية والعسكرية)، ولوزارة الداخلية (الأمن السياسي)، ولمكتب الأمن الوطني، ولحزب البعث العربي الاشتراكي (المخابرات العامة)[1]، بما يُتيح لها السيطرة على كافة مفاصل الحياة، وبسط هيمنتها الواسعة لضمان استمرار النظام الاستبدادي. تتنافس هذه الأجهزة فيما بينها، ولاسيما في إظهار الولاء المطلق للنظام السياسي، وبالتالي لتحقيق مزيد من الامتيازات.

 

وقد تكرّست صلاحيات هذه الأجهزة وامتيازاتها الواسعة بموجب ترسانة من القوانين والمراسيم، تمّ تشريع أغلبها بموجب حالة الطوارئ التي يعود أساسها إلى المرسوم التشريعي رقم (51) الصادر بتاريخ 22 كانون الأول/ديسمبر 1962[2] والذي تمّ بموجبه إعلان حالة الطوارئ، وذلك في الثامن من مارس/آذار 1963 على إثر الانقلاب العسكري الذي قاده  حزب البعث العربي الاشتراكي،  وبموجب المادة الثالثة من المرسوم رقم (51)، يسمي رئيس مجلس الوزراء حاكماً عرفياً، وتوضع تحت تصرفه جميع قوى الأمن الداخلي والخارجي.

 

وللحاكم العرفي ونوابه، بمقتضى المادة الرابعة، "وضع قيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والإقامة والتنقل والمرور في أوقات معينة، وتوقيف المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن والنظام العام توقيفاً احتياطياً، والإجازة في تحري الأشخاص والأماكن في أي وقت، وتكليف أي شخص بتأدية أي عمل من الأعمال".

 

وتضيف هذه المادة بأنه يجوز "مراقبة الرسائل والمخابرات أياً كان نوعها، ومراقبة الصحف، والنشرات، والمؤلفات، والرسوم والمطبوعات، والإذاعات وجميع وسائل التعبير، والدعاية والإعلان قبل نشرها وضبطها ومصادرتها، وتعطيلها، وإلغاء امتيازها، وإغلاق أماكن طبعها". وبموجب هذه التشريعات الفضفاضة والواسعة، تعطّلت الضمانات والحقوق الدستورية للمواطنين، وأُعطي كذلك للحاكم العرفي صلاحية إحالة الأشخاص إلى القضاء الاستثنائي العسكري مهما كانت صفة الفاعلين، وذلك في حال مخالفة أوامره، أو فيما إذا قدّر بأن الجرائم واقعة على أمن الدولة أو السلامة العامة أو السلطة العامة أو المخلة بالثقة العامة، أو التي تشكّل خطراً شاملاً[3].

 

وقد تلت إعلان حالة الطوارئ اعتماد مجموعة من القوانين المعززة لسيطرة الأجهزة الأمنية، وانتهاكاتها لحقوق المواطنين. فقد استصدر مرسوم حماية الثورة رقم (6) لعام 1964 الذي نصّ على تجريم كل من يناهض أهداف الثورة، ويقاوم تطبيق النظام الاشتراكي بالقول أو الكتابة أو الفعل ومعاقبته بالسجن المؤبد، أو حتى الإعدام في بعض الحالات. وبعد تاريخ إصدار هذا المرسوم بسنة أي في العام 1965، اعتمدَ نظام البعث المرسوم رقم (4) لعام 1965 والذي ينصّ على نفس هذه العقوبات الشديدة بحقّ كل من عرقلَ تنفيذ التشريعات الاشتراكية. كما صدرَ قانون إحداث محاكم الأمن الاقتصادي بالمرسوم التشريعي رقم 46 بتاريخ 8 آب/أغسطس 1977 الذي تشكّلت بموجبه محكمة استثنائية كان ضحاياها آلاف السوريين المتهمين بموجب بعض مواد قانون العقوبات الاقتصادي الفضفاضة، كالمادة 13 التي تخضع "مقاومة النظام الاشتراكي" لعقوبة سجن تصل إلى خمسة عشر عاماً. كما صدر القانون (52) الخاص بأمن حزب البعث العربي الاشتراكي في العام 1979 والذي نصّت المادة التاسعة منه على الاعتقال لمدة لا تقلّ عن خمس سنوات عن كل فعل يقصد منه منع حزب البعث من ممارسة مهامه المنصوص عليها بالدستور والقانون، وبالإعدام إذا اقترن الفعل بالعنف. يُضاف إلى ذلك تطبيق نظام "الموافقات والدراسات الأمنية" الذي خوّل الأجهزة الأمنية التدخل والبت في كافة مناحي الحياة، لاسيما عقد الاجتماعات والحصول على إذن السفر والتوظيف، وتسجيل المعاملات العقارية، والميراث، والترشح لعضوية مجلس الشعب، وترفيع ضباط الجيش وتشكيل الحكومات وتعيين القضاة، إلخ[4]. وكان معيار الولاء إلى نظام الحكم، لاسيما الرئيس وحزب البعث العربي الاشتراكي، وأيضاً عدم وجود شبهة انتماء إلى تنظيمات معارضة أو حقوقية هو الحاسم في تسيير هذه الأمور ذات الصلة المباشرة بأرزاق المواطنين ومصالحهم وحقوقهم.

 وكان لا بدّ من تعزيز وجود المحاكم الاستثنائية، بمقتضى حالة الطوارئ، وذلك لإحكام السيطرة الأمنية وضمان تبعية القضاء المطلقة للسلطة التنفيذية ممثلةً برئيس الجمهورية أو الحاكم العرفي القائم على أعمال الأجهزة الأمنية. وفي هذا الإطار، شُكّلت "محكمة أمن الدولة العليا" التي بُنيت أساساً على حالة الطوارئ في البلاد، وذلك بحسب المرسوم رقم (47) لعام 1968 المنشئ لها والذي ينصّ بمادته الأولى على أنّ إحداث المحكمة يتم "بأمر من الحاكم العرفي" وأنّ تعيين أعضائها ومن يمثل الحق العام فيها يتم من طرف رئيس الجمهورية. واختصّت المحكمة بالنظر بجميع القضايا التي يُحيلها إليها الحاكم العرفي أو نائبه، وكذلك في القضايا التي كانت من اختصاص المحكمة العسكرية الاستثنائية التي ألغيت لتحلّ محلها محكمة أمن الدولة هذه. وظهرت بشكل ملحوظ المحاكم العسكرية والميدانية التي عزّز وجودها المرسوم رقم (109) لعام 1968، ما أدّى إلى إحلال القضاء الاستثنائي ذي الصلاحيات الواسعة في محاكمة المدنيين محل القضاء العادي. وشكّلت بنود المراسيم المذكورة أعلاه ذريعة للحكم على آلاف المعارضين السياسيين لنظام الأسد، كما اعتمدَ القضاء الاستثنائي في إصدار هكذا أحكام على بنود فضفاضة من قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949 كالمادة 285 التي تُعاقب من قام بدعاوى "ترمي إلى إضعاف الشعور القومي" أو المادة 286 التي تٌعاقب من ينشر أنباء "يعرف أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة".

 

ولم تُغفل مسألة ضمان الحصانة لأجهزة الأمن ضد الملاحقة القضائية، وهذا ما تمّ من خلال اعتماد مراسيم مكرّسة لثقافة الإفلات من العقاب. فيضمن المرسوم التشريعي رقم (14) الخاص بإحداث إدارة أمن الدولة والصادر بتاريخ 25 كانون الثاني/يناير لعام 1969 الحصانة لأتباع هذا الجهاز، وذلك على الجرائم المرتكبة أثناء تأديتهم الخدمة. فنصّ في مادته 16 على أنه : "لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في الإدارة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تنفيذ المهمات المحددة الموكلة إليهم أو في معرض قيامهم بها إلا بموجب أمر ملاحقة يصدر عن مدير الإدارة"[5].

 

كما عزّزت المادة الرابعة من المرسوم رقم (5409) لعام 1969 من حصانة المنتمين إلى إدارة المخابرات، حيث جاء فيها: "لا يجوز ملاحقة أي من العاملين في إدارة المخابرات العامة أو المنتدبين أو المعارين إليها أو المتعاقدين معها مباشرة أمام القضاء في الجرائم الناشئة عن الوظيفة أو في معرض قيامه بها قبل إحالته على مجلس التأديب في الإدارة واستصدار أمر ملاحقة من قبل المدير. ويبقى استصدار أمر الملاحقة واجباً حتى بعد انتهاء خدمته في الإدارة". ويتبين بشكل واضح بأنّ هذه المواد تكرّس حماية العاملين في إدارة المخابرات العامة من أي مساءلة قضائية عن الجرائم التي قد يرتكبونها، وهذا ما كرّس لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان و لثقافة الإفلات من العقاب.

 

وقد استمرّ استصدار المراسيم المكرّسة لحصانة الأجهزة الأمنية بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000. فتمثّل أبرزها بالمرسوم رقم (64) لعام 2008 الذي حظّرَ صراحة ملاحقة مرتكبي الجرائم من العاملين في الأمن الداخلي وشعبة الأمن السياسي والجمارك دون موافقة رؤسائهم[6]. هذا ولا يكون لذوي الضحايا أو للضحايا أنفسهم في حال خروجهم أحياء من مراكز الأجهزة الأمنية إمكانية متابعة الجناة ، ليس فقط في ظلّ ترسانة التشريعات المكرّسة للحصانة لهم، إنما أيضاً لأسباب أخرى أبرزها غياب هيئات قضائية مستقلة وحيادية لتلقي الشكاوى، وكذلك آليات فعّالة كفيلة بتحقيق هكذا ملاحقات، فضلاً عن الخشية من الإجراءات الانتقامية التي يمكن أن يتعرض لها مقدّمي الشكاوى أو ذويهم. وفي هذا الإطار تبدو الأهمية القصوى لاتخاذ التعديلات اللازمة على المستويين الدستوري والقانوني، في إطار أية حلول سياسية، بما يسهم في تجنب تكرار انتهاكات الأجهزة الأمنية وأيضاً تحريك الدعاوى بحق المسؤولين عن الانتهاكات وذلك من أجل تحقيق العدالة ومكافحة ثقافة الإفلات من العقاب.   

 

 

 


[1] لمزيد من التفاصيل، أنظر رضوان ذيادة، كيف بنت عائلة الأسد دولة المخابرات في سورية؟، 6 آيار/مايو 2013، زمان الوصل، متوفر على الرابط: https://www.zamanalwsl.net/readNews.php?id=38173 أنظر أيضاً معن طلّاع، مرجع سابق، ص 9 ومابعدها.

[2] حدّد هذا المرسوم آليات إعلان حالة الطوارئ، وجاء في مادته الثانية، الفقرة الأولى: "تعلن حالة الطوارئ بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية وبأكثرية ثلثي أعضائه، على أن يعرض على مجلس النواب في أول اجتماع له".

[3] أنظر المادة السادسة من هذا المرسوم. وتجدر الإشارة إلى مخالفة حالة الطوارئ في سوريا للعديد من الاتفاقيات الدولية الملتزمة بها الحكومة السورية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. فقد أجاز العهد المذكور في مادته الرابعة للدولة الطرف في "حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسمياً بأن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي". وتؤكد الفقرة الثانية من المادة نفسها ضرورة عدم مخالفة أي تشريع يُتخذ في حالة الطوارئ لأحكام بعض مواد العهد التي تنصّ على حقوق أساسية للإنسان. وبذلك من الجلي أنّ تشريعات قانون الطوارئ الحالي تتعارض مع نصّ المادة الرابعة من هذا العهد لسببين رئيسين: أولهما استمرار تطبيق حالة الطوارئ لمدة 49 عاماً، وهو ما أفقدها الصفة الاستثنائية المؤقتة بعكس ما أجازه العهد، وثانيهما تعارض جلي لنصوصها مع بعض الحقوق الأساسية للإنسان التي أشارت إليها الفقرة الثانية من المادة الرابعة المذكورة أعلاه.

[4] أنظر معن طلَّاع، مرجع سابق، ص 6-7.

[5]  وجاء في المادة 30 من هذا المرسوم بأنّه "لا ينشر هذا المرسوم ويعمل به اعتباراً من تاريخ صدوره". وهذا ما يعزّز سرية عمل دوائر الأمن وحتى القوانين الناظمة لذلك، وبالتالي يحجب حق المواطنين الأساسي بالاطلاع على القوانين المطّبقة عليهم والمنتهكة لحقوقهم.

[6]  للمزيد أنظر ميشال شماس، جدل حول المرسوم التشريعي رقم 64/2008، موقع كلنا شركاء، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2008، متوفر على الرابط: http://metranspcm.cluster011.ovh.net/spip.php?page=article&id_article=4665&var_lang=ar&lang=ar    

 

 

 

تنويه: هذا المقال الجزء الثاني من سلسلة مقالات تنشرها مجلّة صُوَر تباعاً  من دراسة أعدّها الدكتور نائل جرجس لصالح المنظمة العربية للقانون الدستوريّ.  

 

يتبع.

 

 



14 آب 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة