728 x 90

آثار داعش في مدينة الرقّة وضرورة المعالجة

3084759230.jpg

 

 

خلال الأعوام الأربعة من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على الرقة، اعتمد روايته الدينية المتشدّدة، كما ألغى التعليم، وأجبر النساء على ارتداء النقاب، وأسّس مؤسّسات دخيلة على المجتمع كالحسبة التي تراقب حياة الناس الشخصية، وبث الجواسيس وشجعهم على الوشاية باسم نصرة الإسلام، بالمقابل أقام ما أسماه بـ" الدورات الشرعية" وأجبر الناس على اتّباعها للحصول على بطاقات تسمح لهم بالمرور على حواجزه، كما فرض" الدورات الشرعية" كقانون عقوبات على المخالفين لتعاليمه، وهي الدورات التي قد تستمرّ لبضعة أيام وربما أشهر.

 

ولا يخفى على المتابع تركيز واعتماد التنظيم على فكرة توحيد الله، والتفاني في تأليهه، وهي فكرة منطقية، عنيدة، لكنه، على عادة السلفية الجهادية، عمد إلى سلوك عنيف بشكل مهول في مسعاه لتطبيقها، والتعامل مع المختلفين عنه قليلاً أو كثيراً، فهو سريع الاتهام بالشرك بالله والكفر بالإسلام وتعاليمه، ويمنع بحجج متشدّدة، كل ما يلهي عن ذكر الله حسب زعمه. هذا السلوك الراديكالي يحيل بالضرورة لتعاليم الجهاد التي تقدّسها أدبيات" التنظيم" ضد أعداء الدين - أعداؤه، وما يسمّى بالولاء والبراء ( الولاء للتنظيم والبراء من أعدائه )، والأهمّ من ذلك أنها أيديولوجيا ذات سلوك لا يتطابق مع الفقه الأشعري أو الممارسات الصوفية الشائعة في الرقة قبل سيطرة "التنظيم" (الفقه والممارسات التي حاربها التنظيم فكرياً وعملياً)؛ كما أنها في تضادّ مباشر مع بنية المجتمع الرقاوي العشائرية البسيطة، وعاداته وتقاليده، والتي هناك من وجدناه يعوّل عليها، وبأن إعادة الاعتبار لها كفيل بمحو آثار "التنظيم".

 

الأطفال الذين أغلق " التنظيم" مدارسهم توجّه الآلاف منهم إلى الجوامع والمدارس الشرعية، وتلقّوا أفكاره المتطرّفة، خصوصاً أنه قدّم لهم المغريات المعنوية والمادية، من خلال الخيمات الدعوية حيث يقيم المسابقات ويقدم الهدايا.

 

 

للتقصّي عن أحوال الرقة توجّهنا إلى عدد من أبنائها، (بشير محمود) الاسم مستعار، الذي زارها في شهر تموز من هذا العام، لاحظ أن الأطفال يمتلكون فكراً يختلف عن الكبار، وبأن فجوة قيم ملموسة بينهم، وأضاف عندما أقول" يا محمد" ( نداء للرسول محمد يستخدمه عامة الناس في الرقة) يستنكر الأطفال ذلك قائلين "لا تكفر يا شيخ! "

 

التأثيرات التي أفرزتها الحرب لعبت دوراً مماثلاً، (علي حمود) الاسم مستعار وهو من أوائل العائدين إلى الرقة بعد القضاء على "التنظيم"، يرى أن شراسة الأطفال ازدادت، ويعتقد أن هذا لا يخصّ أفكار داعش فقط، وإنما هو نتيجة طبيعية للحرب والتقلّبات التي شهدتها المدينة ولا تزال.

 

(أحمد.م)  مقيم في الرقة، يعتقد أن الأطفال تأثّروا بما شاهدوه من إعدامات في شوارع المدينة، وبأن بعضهم اقترب من الرؤوس المقطوعة والجثث، الأمر الذي لا زالت ذاكرتهم تحتفظ به، وبأنهم من أكثر الفئات المجتمعية تأثّراً بالحرب، يقول أحمد ” شاهدت أطفالاً يلعبون وقد انتحلوا أسماء إسلامية كأبو القعقاع وغيرها.. أمسكوا باثنين من المتّهمين وحكموا على أحدهم بالجلد وعلى الآخر بالإعدام” ويضيف.. سألتهم ما هي تهمهم؟ فأجابوا: سنجلد من قام بسرقة الكهرباء، وسنعدم من قام برفع سعرها وتسبّب بالسرقة".

 

النساء أيضاً كنّ ضحية التنظيم المتطرّف ( حسام.ج ) المقيم في الرقة يقول إن غالبية النساء لا يزلنَ منقّبات. ويروي أنه سأل إحدى النساء لماذا تضعين النقاب؟ فأجابت: أبنائي يمنعوني من نزعه. امرأة أخرى أجابت: إذا خرجت" قسد" سوف أنزعه. تعبيراً عن شعورها بالغربة أمام القوى العاملة في المدينة.

 

أمّا( علي .ح ) فيعتقد أن النساء تأقلمنَ مع اللباس الجديد، وبأن الناس تولّدت لديهم ردّة فعل محافظة تنسجم مع اللباس المحافظ، يرافقه غياب هوية وطنية وغياب الهويات الاجتماعية التقليدية التي صدّعها التنظيم. ويضيف علي ساخراً " بالعكس النقاب يوفر للمرأة حرّية أكبر في بعض الحالات كأن تدخل إلى منزل عشيقها دون أن يتعرّف عليها أحد".

 

 

وبغضّ النظر عن المبرّرات والأسباب، إلا أن نقاب المرأة في الرقة، تُضاف إليه اللحى والأثواب القصيرة للرجال، يحيل لأفكار التنظيم الأيدلوجيّة، والتي لا تنتمي لعادات المدينة وتقاليدها السابقة، كأزيائها الشعبية مثلاً.

 

يُضاف للآثار الاجتماعية والفكرية التي تركها" التنظيم"، الأثر الاقتصادي الذي أقرّته محاكمه في المواريث والمنازعات، خصوصاً أن هناك مستفيدين منها، يعتبرونها أفضل مما قد يأتي، والجدير ذكره هنا، أن محاكم التنظيم بتّت في آلاف القضايا والدعاوى خلال أربعة أعوام، وبأن بعضها كان عالقاً في محاكم النظام البيروقراطية.

 

بعض التجار وأصحاب المحالّ الذين استمزجت مجلّة صُوَر آراءهم يجدون في الزكاة التي حصّلها "داعش" نظام إداري أفضل من الضرائب التي ستفرض، ذلك لأنها أقلّ قيمة، وإن كان منهم مَن يدّعي أنها تمثّل الاقتصاد الإسلامي الصحيح الذي يجب اتّباعه.

 

ما يعزّز هذه الآثار اليوم، هو الغياب الكامل لمحاكم حلّ النزاعات بالرغم من مرور عام كامل تقريباً على إنهاء "داعش"، وغياب الهيكلية الإدارية الصلبة، وغياب الأمن، ما يدفع البعض للامتعاض وبأن أيام التنظيم السيّئة، كانت أفضل، وبأن السرقة في عهده كانت أقلّ بكثير.

 

الهرب من الواقع إلى الحياة الافتراضية، هو أبرز ما شاهده (بشير محمود)، حيث أفادنا بقضاء "الرقاويين" أوقاتاً طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي كمحاولة مستمرّة لتناسي واقعهم المرير، في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبلهم الذي أصبح ورقة في أيدي القوى المتصارعة، وفي ظلّ البطء الشديد في إعادة دورة الحياة الطبيعية إلى المدينة.

 

أخيراً، ما زالت وسائل الإعلام الغربية وقوات سوريا الديمقراطية يتبادلان المدائح على حطام المدينة، عبر الحديث عن تضحياتهم في مواجهة التنظيم المتطرّف، وسرد قصصهم بإسهاب، يقابله تهميش لمآسي الرقاويين التي دفعوها ثمناً لجنون "التنظيم"، وخاصة المدنيين الذين كانوا أكبر المتضرّرين منه، ويعيشون أشدّ الآثار فجيعة وألماً. ويجدر التنبيه بأن شعور العامة في المدينة بالتهميش السياسي، وتجاهل تضحياتهم، قد يفتح، إن استمرّ، باباً واسعاً لآثار" التنظيم" الإرهابيّ.

 

 



13 آب 2018

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة