728 x 90

"لم يبقَ إلا البحث عن بدائل"

3363520771.jpeg

يعود بنا فيلم "١٢ يوم، ١٢ ليلة في دمشق" إلى عام "ساعة الصفر"، تحاول مخرجته روشاك أحمد إنعاش ذاكرتنا وإقناع جمهور الفيلم الغربي بأن ما يحصل في سوريا هو ثورة ونضال ضد الديكتاتورية والقمع، تتجنب أن تتورط عاطفياً في السرد، وتترك للكاميرا حرية التجول بين بيوت مخيم اليرموك المهجورة والمقاتلين دون قيد، لا منها كمصورة ولا منهم كسلطة وحيدة في تلك المنطقة.

لو نبدأ من أكثر التعليقات التي سمعتها خلال العرض في برلين، وتصفين لنا تجربتك الشخصية كمصورة بين مجموعة رجال مقاتلين وعلى خط النار؟
 شخصياً لم أفكر ما سيكون الفرق لو كنت امرأة أو رجل، الخوف شعور إنساني ينطبق على الجنسين، الخوف على النفس والرغبة في البقاء على قيد الحياة هي مشاعر إنسانية.
حتى المجموعة التي رافقتها لم يكن لديهم أي اعتبار كوني امرأة، اعتبارهم الوحيد كان "إنها مصورة وتريد نقل الأحداث التي تجري في البلد لجهات جيدة موضع ثقة، وحين كانوا يتذكرون معارك سابقة كانوا يقارنونني بمصورين رجال كانوا معهم، بالمختصر كانوا ينظرون إليّ حسب مهنتي وليس حسب جنسي".
ما حدث هو العكس تماماً وهو تنميط الرجل الشرقي، حيث تم التركيز كثيراً على كوني امرأة مع مجموعة رجال، فالتنميط الذي واجهته بالمختصر أن أي رجل شرقي بذقن طويلة ويهتف "الله أكبر" هو إرهابي أو مصدر رعب أو ضد النساء.
 ولكن هل لاحظتِ معاملة خاصة معك كونك امرأة، مثلاً تنبيهك من وقوع انفجار كي لا تخافي كما جرى في أحد مشاهد الفيلم؟
 هذه التفاصيل تحديداً التي قصدت بها أنهم لم  يعيروا أي انتباه لكوني امرأة أو رجلاً، خلال تواجدي في اليرموك والحجر الأسود في دمشق تكفلت المجموعة بأن يكون لي مكان لأبيت به، وهو نفس المكان الذي تواجدت فيه ناشطات وناشطون وأطباء ميدانيون.
وأثناء أيام المعركة، لم يكن الأمر وكأنه عمل وفقط كخروجي للتصوير ساعتين وثم أعود لمكاني، أبداً، كنت معهم في حالة استنفار لمدة ١٢ يوماً، وتواجدت معهم في نفس الأماكن التي تواجدوا فيها خلال تلك الفترة، وفي الحالات التي يشعرون فيها بالخطر  كان يتم تنبيهي باعتبار أنني مدنيّة.

لماذا اخترت مخيم اليرموك كمنطقة لتصوير الفيلم؟

في الحقيقة كنت في رحلة بحث كي أفهم ماذا يحصل، نهاية ٢٠١٢ بداية ٢٠١٣، الوقت الذي عوّل فيه على ساعة الصفر، بالنسبة لي وقتها كان البقاء في مناطق النظام أقل أمناً وطمأنينة خاصة للناشطات والناشطين، وكان لابد من قرار، هل أبقى في دمشق وأشاهد بصمت دون أية ردة فعل على ما يحصل من قصف جوي على مناطق محيطة من خلف النافذة، وذلك كان بمثابة شعور قاتل جداً لي.

إضاقة للتضييق في الوصول إلى المعلومات وتخوف النازحين الذين حاولت مقابلتهم من الإدلاء بشهادتهم خوفاً من المخابرات السورية. لذلك لم يبقَ إلا البحث عن بدائل.
ترفق ذلك بكثافة الدعاية من النظام بأن ما يحصل في سوريا "إرهاب"، لذلك اخترت اليرموك كمكان للبحث عن "ماذا يحصل هنا".

هل كان لديك تصور منذ البداية كيف سيكون الشكل النهائي للقصة، أم أنك كنتِ تصوري لتواجدك بالمكان، وبما أن الأحداث تجري أمامك؟
  لم أكن أعرف كيف كانت ستتطور القصة ، تواجدت بعض العناصر التي دفعتني لاتخاذ القرار بالتصوير، فقد كانت لدي إمكانية الوصول لليرموك، بالإضافة إلى أن الناس رحبت بوجودي ووثقت بي، وقتها اتخذت القرار خاصة حين عرفت بأن هذه المجموعة تقاتل بمناطق مختلفة في الميدان، يلدا وعقربا وغيرها من المناطق بجوار دمشق، وهم مصرون على محاربة النظام في منطقة دمشق وليس في مناطق أخرى.
كنت أراقبهم كيف يتحدثون بقناعة وإرادة.
وقتها تساءلت فيما إذا كان تعاملهم والأحاديث التي تدور أمام الكاميرا هي حقيقية أم أنه يقال لي ذلك لأنني كنت أصور حينها، وكأنهم يقدموا لي وثيقة بأن سلوكهم وأفعالهم حقيقية. وقتها اتخذت القرار بأن لا أصور ما يقال لي كتقرير قصير لمحطة تلفزيونية، وإنما أردت أن أبقى وأشاهد قدر المستطاع تطور الأحداث.

هل تعتقدين أنك نجحت في إظهار وجه المقاتلين الإنساني للجمهور العام، بعيداً عن تنميطهم كمقاتلين عنيفين أو المبالغة بإظهارهم كثوار عظماء؟
 لم أذهب في هذا الاتجاه أبداً، لكنني حاولت نقل ما شاهدت، وهو أنهم أناس مختلفون وعفويون واهتماماتهم كانت سابقاً مختلفة، بعضهم كان يعمل وآخرون كانوا يدرسون، فجأة وضعوا في هذا الظرف الصعب، القصة التي أرويها ليست جميلة، بمعنى أنها ليست تضادية الخير والشر، في النهاية هم كمجموعة مقاتلة أو عسكرية ليسوا بنفس القوة مقارنة بالنظام السوري، لذلك كان التعويل على العسكرة خاطئ، بالنسبة لي.

 مرت أربع سنوات بين تصويرك للمشاهد الخام وبين العمل عليه في نسخته الأخيرة، لماذا كل هذا الوقت؟
إشكالية الموضوع بحد ذاته، كوني مؤيدة للثورة السورية وجزء منها، ويحدث أنه إذا أردنا الحديث عن النضال سواء المسلح أم المدني يجب أن نتحدث عنه بتغنٍّ وبطولة، عندما كنت أصور كنت مؤمنة بأن الحل العسكري هو الحل الوحيد للناس كي يحموا وجودهم وأمكنتهم، ولكن مع الوقت شعرت بأن ذلك بدون جدوى، وكان يجب أن نفكر بطرق أخرى لم نعطها الوقت الكافي، وهي العمل على مؤسسات مجتمع مدني.
ومن جهة الخيبة، كلما كان الوضع يزداد صعوبة مع الوقت، لم أستطع أن غض النظر وأتجاهله، خاصة وقتما كنت أعمل على هذا المنتج لم أكن أعمل على أنه سيكون فيلماً في النهاية، وكان من المربك لي عندما انتهيت أن يقال لي "مبروك" ، الشعور كان بالصدفة وجزء من إرادتي أنه لدي وثيقة من هذا الزمن وأريد أن أرويها وأن أشاركها مع الآخرين.
في النهاية حاولت من خلال تأجيل العمل على المواد أن أعطي نفسي مسافة بهدف إيجاد أجوبة على سؤال "ما الجدوى؟"، رغم أنني كنت داخل تلك القصة كل الوقت، وكوني متورطة عاطفية،  وباعتبار  أنني عشت هناك فترة من الزمن، وهؤلاء الناس وفروا لي الأمان ، لذلك كان لابد من بعض الوقت حتى أخرج نفسي من القصة، وأن أشاهدها من الخارج.

أخيراً هل تعتقدين بأن ما قمت به شجاعة؟

لا أرى الموضوع كذلك، ربما لكان هناك نوع من الشجاعة السلبية إن كنت قد عرفت أن كل ذلك يحصل وتجاهلته أو أشحت بنظري بعيداً عنه، وهذا بالفعل التصرف الذي لم يكن بإمكاني فعله، لكنني أرى الموضع كالتالي: أنا شابة في العشرينيات من عمري وأتمتع بصحة جيدة ولدي الإمكانية لتوثيق ما يحصل في بلدي، ما قمت به من دافع المسؤولية تجاه بلدي فقط.

روشاك أحمد: من مواليد ١٩٨٦صحفية، مخرجة فيلم "١٢ يوم و١٢ ليلة في دمشق، حالياً تدرس في مدرسة الإعلام في هامبروغ، ألمانيا.



13 أيلول 2017

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة