728 x 90

"أشرف الوالدين دِيناً" بموجب تعديلات قانون الأحوال الشخصيّة السوريّ لعام 2019

2740534814.jpg

 

 

تُدرج غالباً عبارة "أشرف أو أفضل الوالدين دِيناً" في بعض قرارات المحاكم السوريّة التي تُعطي حضانة الطفل أو تُتبع دينه إلى أحد والديه المسلم أو المعتنق للدين الإسلاميّ لغايات متعدّدة، منها الحصول على حضانة الأطفال وإسقاطها عن الوالدة غير المسلمة. وكانت قرارات هذه المحاكم تستند في الغالب إلى تفسيرات القضاة في ظلّ صمت قانون الأحوال الشخصيّة السوريّ رقم 59 لعام 1953، ممّا أدّى إلى استصدار أحكام قضائية متناقضة أحياناً. غير أنّ تعديلات الأحوال الشخصيّة بالقانون رقم 4 لعام 2019 ستؤدّي من الآن وصاعداً إلى حتمية إسقاط حضانة الوالدة غير المسلمة عن طفلها المسلم حال بلوغه الخامسة من العمر، وذلك بحسب المادة 128- الفقرة هاء التي تشترط في الحاضن "الاتحاد في الدين مع المحضون بعد تمامه الخمس سنوات من العمر". وبحسب عمر الطفل، نجد هذا التعديل أكثر تعسّفاً من نصّ المادة 172 من قانون الأحوال الشخصيّة الأردنيّ لعام 2010 الذي يُشير إلى "إسقاط الحضانة فيما إذا تجاوز المحضون سنّ السابعة من عمره، وكانت الحاضنة غير مسلمة".

 

ومن حيث المبدأ يتوجّب على الجهاز القضائيّ السوريّ العودة إلى أحكام المذهب الحنفيّ - المقنّنة في كتاب قدري باشا - في حال سكوت النصّ القانونيّ، كما تؤكّد عليه صراحة المادة 305 من قانون الأحوال الشخصيّة السوريّ. وفيما يخصّ الحضانة، جاء في المادة 381 من كتاب قدري باشا بأنّ "الحاضنة الذمّيّة أمّاً كانت أو غيرها أحقّ بحضانة الولد كالمسلمة حتى يعقل ديناً أو يُخشى عليه أن يألف غير دين الإسلام". وبالتالي دأبت قرارات المحاكم السوريّة إلى الرجوع لهذه المادة لإسقاط الحضانة عن المرأة غير المسلمة إذا خُشي على دين الطفل المسلم، كقرار محكمة النقض السوريّة في 6 نيسان/أبريل لعام 1981[1]. ويُذكر بأنّ مشروع قانون الأحوال الشخصيّة السوريّ المعلّق قد تضمّن صراحة، في مادّتيه 284 و 294، إعطاء الأوّلية في حضانة الطفل إلى الطرف المسلم. فالمادة 284 منه تقيّد حقّ المرأة المرتدّة عن الإسلام في احتضان طفلها، كما أنّ المادة 294 تنصّ على أن تقتصر الحضانة على الأم المسلمة فقط فيما إذا خُشي على الطفل أن يألف غير دين الإسلام وعاداته، أو كانت الحاضنة تستغلّ ضعف الطفل لتنشئته على غير دين أبيه المسلم[2].

 

وهكذا حدّد التعديل الجديد سنّ الخامسة لإسقاط الحضانة عن المرأة غير المسلمة، بينما ما كان معمول به سابقاً يُجيز إسقاط الحضانة فقط عندما "يُخشى على الطفل أن يألف غير دين الإسلام"، وهو نصّ مبهم لا يحدّد السنّ، ويُتيح للقاضي حيّزاً من التفسير ومن الأخذ بمصلحة الطفل. ففي عام 2013، تمكّنت امرأة مسيحيّة - رومانيّة الجنسيّة - من الاحتفاظ بحضانة طفلها حتى بلوغه سنّ العاشرة، وذلك على إثر خلاف قضائيّ نشبَ مع زوجها السوريّ المسلم. وفي تفاصيل القضيّة، قرّرت المحكمة الشرعية الثانية بدمشق إسقاط الحضانة عن الوالدة على اعتبار أنّها قامت بتلقين طفلهما (المسلم بالولادة) تعاليم الديانة المسيحية، وهو ما نفته الزوجة. وقد أقامَ الزوج دعوى لنزع الحضانة عنها بذريعة الخشية من أن يألف طفله غير دين الإسلام[3]. ومع ذلك قامت محكمة النقض - الغرفة الشرعية- بنقض هذا القرار وبردّ إسقاط حضانة الطاعنة المسيحية عن ولدها، وبإلزام المطعون ضدّه (الزوج المسلم) بتسليم الولد المذكور لوالدته التي تلتزم بدورها بإعادة الولد المحضون إلى وليّه عند بلوغه سنّ العاشرة من عمره[4]. وعلى الرغم من هذا التدخّل، لم تُنصَف المرأة المسيحية، وتُعامل بمساواة كاملة كما لو كانت مسلمة، فهذه الأخيرة يحقّ لها قانونياً الحضانة حتى بلوغ المحضون سنّ الثالثة عشرة.

 

وهكذا تستمرّ تعديلات الأحوال الشخصيّة لعام 2019 بالتمييز ضدّ المرأة غير المسلمة، وكذلك المسلمة، ولاسيّما في مجال السفر والنفقة (المادة 64) والطلاق (المادة 87)، وكذلك الشهادة حيث تتطلّب المادة 12 لصحّة عقد الزواج "حضور شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين مسلمين". ولانعتقد بأنّ مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" سيُعمل به بشكل مطلق في ظلّ هذه التعديلات حيث أنّه لا يحقّ للمرأة أن تقيّد عقد الزواج بشروطها الخاصة فيما إذا خالفت الشرع والقانون، كما نوّهت إليه الفقرة الثانية من المادة 14. ومن المعروف بأنّ التشريعات السوريّة، والتفسيرات السائدة للشرع تتضمّن العديد من أوجه التمييز ضدّ المرأة المعمول به حالياً.

 

وبهذا لا نتّفق مع ما تدّعيه صفحة" رئاسة الجمهورية العربية السورية" بأنّ هذه التعديلات تجعل "القانون أكثر تلاؤماً مع متطلّبات واقع المجتمع السوريّ ومعطياته"... فلا بدّ من إصلاح منظومة الأحوال الشخصية السورية بشكل جذريّ، واستصدار تشريعات متوائمة ومتطلّبات العصر، وضامنة لحقوق الإنسان، ولا سيّما حقوق الطفل، والحقّ في الحرّية الدينية، والمساواة بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم. وفي مقالة سابقة بعنوان الانقسامات الدينية والطائفية في دول المشرق العربيّ: الجذور والأسباب، بيّنتُ فيه بأنّ منظومة الأحوال الشخصيّة الحاليّة لها أكبر الأثر في الانقسام الدينيّ والطائفيّ المتكرّس بشكل أساسيّ نتيجة التمييز بين المواطنين أمام القانون وفي قرارات القضاء، وبالتالي لا يمكن في ظلّ وجودها استئصال الطائفية والاحتقان الدينيّ، وأيضاً التأصيل لدولة المواطنة والقانون.

 

 

 


[1] الغرفة الشرعية، أساس 244، قرار 301.

[3] المحكمة الشرعية الثانية بدمشق، أساس 8094/2/2013 ، قرار رقم 1320، صادر بتاريخ 31/12/2013، غير منشور. وقد صدر هذه القرار عن رئيس هذه المحكمة، القاضي كمال بن علي المسكي، الذي يعتبر مرجعاً مهمّاً في القضاء الشرعي، وهو يدرّس في المعهد القضائي بدمشق.

[4] قرار محكمة النقض - شرعية، أساس 168، قرار رقم 124، صادر بتاريخ 3 آذار/مارس 2014، قرار غير منشور. ويُلاحظ في نصّ هذا القرار تجنّب استخدام مصطلح "الذمّيّة"، وإنما "الحاضنة غير المسلمة" أو "المرأة المسيحية"، وذلك بخلاف قرار المحكمة الشرعية الثانية بدمشق والذي ذكر هذا المصطلح أكثر من مرّة.



16 شباط 2019

آخر عدد

الأكثر قراءة

كتٌاب صور

سينما

بورتريه

الديك

إيقاع العدسة

ساخرة